شراكات سورية سعودية.. هل تتجه البوصلة نحو تكتل إقليمي فاعل
10/02/2026



سيرياستيبس 


ناظم عيد 


تتسارع ملامح الشراكات الاقتصادية السورية السعودية بشكل لافت، ما يدفع إلى رصد المشهد المقبل ورسم “كروكي مفترض” Croquis لتأثير الحضور الاستثماري والاقتصادي السعودي عموماً في المضمار السوري.

وإن كان الحدث الجديد المتمثل بالإعلان عن حزمة عقود إستراتيجية هو الأكثر وزناً وثقلاً اقتصادياً، فهو يأتي بعد سلسلة لقاءات مكثفة ومذكرات تفاهم وتوافقات “بالأحرف الأولى بين الجانبين، منذ ما بعد حدث التحرير والتحوّل الكبير في سوريا.

تركيز خدمي

كان الحصاد السوري ـ السعودي استثنائياً، حتى ولو طغى عليه الطابع الخدمي، إذ انطوى على اتفاقية “سيليك لينك” بين شركة STC السعودية ووزارة الاتصالات السورية، واتفاقية بين صندوق إيلاف والطيران المدني السوري لتطوير وتشغيل مطاري حلب، ثم تأسيس شركة طيران مشتركة بين “طيران ناس” والطيران المدني السوري، واتفاقية بين “كابلات الرياض” والصندوق السيادي السوري لتطوير شركة الكابلات السورية،. بالإضافة إلى اتفاقية لتولي شركتي أكوا ونقل المياه السعوديتين، تطوير تحلية ونقل المياه في سوريا.

وهذه الاتفاقيات عبارة عن عقود وليست مجرد مذكرات تفاهم، أي أنها ملزمة وسيتم المباشرة بتنفيذها، وستفتح أفقاً جديداً في الترابط الاقتصادي البنيوي بين البلدين.

تكثيف غير مسبوق

“إنجاز” اليوم، لم يكن مفاجئاً، إذ إنّه حلقة في سلسلة بدأت باتجاه أفق مفتوح.

ففي تموز 2025 شهدت دمشق المنتدى الاستثماري السوري السعودي، وكان حدثاً صاخباً في بلد أوجعته العزلة والانكفاء. وشارك في المنتدى حينها أكثر من 100 شركة سعودية و20 جهة حكومية. وجرى خلاله توقيع 47 مشروعاً استثمارياً بقيمة تفوق 24 مليار ريال في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات والطاقة والسياحة والصناعة والصحة.

أعقب المنتدى، بعد شهر تقريباً، توقيع اتفاقية و 6 مذكرات تفاهم في مجالات الطاقة المختلفة بين عدد من الشركات السعودية ووزارة الطاقة السورية، وكان ذلك على هامش مشاركة المملكة في معرض دمشق الدولي. وتشمل هذه الاتفاقية ومذكرات التفاهم مجالات متعددة ذات أبعاد إستراتيجية في الواقع.

الاتفاقية حينها وقعتها شركة أكواباور السعودية مع وزارة الطاقة السورية، لإجراء الدراسات اللازمة لإعداد عروض تطوير مشروعات إنشاء محطاتٍ لاستغلال الطاقة الشمسية، وأنظمة تخزين.

أما مذكرات التفاهم فكانت ست مذكرات بين شركات سعودية ووزارة الطاقة السورية، شملت مجالات عدة، من أبرزها الاستكشاف، وإنتاج وتطوير حقول الغاز القائمة في سوريا، وحفر الآبار وإكمالها، ومعالجة الغاز الطبيعي وتحويله إلى طاقة، وتنفيذ المسوح الجيوفيزيائية والجيولوجية.

ووقّعت الشركة السعودية للكهرباء مذكرة تفاهمٍ في مجال توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها، وتقديم الدعم الفني والاستشاري في مجال الكهرباء.

كما وقّعت شركة كهرباء السعودية لتطوير المشاريع، مذكرة تفاهمٍ تشمل المجالات الهندسية والاستشارية، ومشروعات محطات النقل والتوزيع الكهربائي.

نواة مركز إقليمي

الواقع أن الكمّ الكبير من “الحصاد السوري ـ السعودي” على المستويين النظري “مذكرات التفاهم” والعملي “الاتفاقيات”، يطلق الأفق أمام المحللين الإستراتيجيين لاستشراف ملامح أكثر إستراتيجيةً في الشراكة بين البلدين. وبالفعل لم يكن مثل هذا الاستشراف تهيؤات، بل هو تخطيط مبني على معطيات واقعية.

ويرى الخبير الاقتصادي فادي عياش، أن سوريا بموقعها الجغرافي المميز وتنوعها الكبير وتكامل قطاعاتها الاقتصادية، وبما تتمتع به من مزايا تنافسية، تبدو مؤهلة وبقوة لتلعب دور مركز اقتصادي إقليمي، ولا سيما على مستوى التجارة واللوجستيات.

استثمارات متعددة الجنسيات

ويعتبر عياش في حديثه لـ”المدن” أن هذا الجانب هو أحد عوامل الجذب الرئيسة للاستثمارات الدولية والإقليمية، ولا سيما منها الاستثمارات السعودية الأكبر والأكثر جدية، بالإضافة إلى استثمارات أخرى واعدة إماراتية وقطرية وعراقية وتركية وكذلك عمانية متوقعة. ويرى عياش أن الاستثمارات السعودية تحولت إلى اتفاقات ملزمة وفي قطاعات حيوية كالاتصالات والنقل والبنى التحتية. وهي هامة لتعزيز سوريا كمركز لوجستي إقليمي. كما أنها تنسجم مع رؤية المملكة العربية السعودية لتنمية الاقتصاد الإقليمي، ما يتيح لهذه الاستثمارات فرص تشبيك وتكامل إقليمي يعزز من أهميتها.

اشتراطات تفضيلية

لكن عياش يربط نجاح سوريا كمركز لوجستي تجاري إقليمي ببناء شبكة علاقات تجارية إقليمية تفضيلية، ولا سيما مع الأسواق التقليدية للمنتجات والخدمات السورية، سواء أسواق تصدير أو أسواق استيراد، وخصوصاً أدوات الإنتاج والتكنولوجيا، كدول الاتحاد الأوروبي، ودول مجلس التعاون الخليجي، والتوسع باتجاه الأسواق الواعدة في دول شرق ووسط أفريقيا.

انفتاح لا انكشاف

يعوّل عياش على الانفتاح الاقتصادي، لكن دون انكشاف كبير. ويركز على أهمية التعاون والتكامل مع الأسواق الإقليمية الكبيرة، بما يتيح الفرصة لجذب وتفعيل الاستثمار الأجنبي، ولا سيما المباشر، في القطاعات الأساسية والاستراتيجية. فبرأيه الاستثمار الأجنبي هو أساس زيادة التراكم الرأسمالي وتكوين الثروة، وهذا ما يساعد في سرعة تحقيق التنمية.

ويبقى كل ما سبق رهن الاستقرار في الإقليم، إذ لا استثمار في أجواء التوتر واختلاط الأوراق. وثمة إجماع هنا في أوساط الخبراء والأكاديميين السوريين، على أن ثمة أرضية أولية مهيأة لإقامة تكتل اقتصادي فعال، تكون سوريا واسطة العقد فيه. لكن يبقى ذلك مجرد سيناريو ـ وإن كان ليس خيالياً ـ يحتاج لحزمة مكملات، ليست معقدة لكنها لا تُسامح بشرط الزمن.

المدن اللبنانية



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=204490

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc