لمواجهة غلاء الأدوية.. الصحة تخطط لتسعير “أكثر عدالة” وتعزيز التصنيع المحلي
10/02/2026
سيرياستيبس :
مع الارتفاع المستمر في أسعار الأدوية، وتأثيره الكبير على المرضى، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة والمتقاعدين، باتت القدرة على تأمين العلاج اليومي تحدياً حقيقياً.
وترجع أسباب هذا الارتفاع إلى عوامل عدة، أبرزها ارتفاع تكاليف المواد الأولية المستوردة وتقلبات سعر الصرف، ما خلق فجوة بين الأسعار وإمكانات المواطنين المالية.
ولمواجهة هذه التحديات، تكشف وزارة الصحة لصحيفة “الثورة السورية” عن خطة استراتيجية تشمل تطبيق “تسعير أكثر عدالة” للأدوية، وتعزيز التصنيع المحلي، وتحسين سلاسل التوريد، لضمان توفر الأدوية الأساسية والمزمنة، ورفع جودة المنتجات الدوائية بما يتوافق مع المعايير العالمية.
ارتفاع الأسعار وتفاوتها
يشير مواطنون إلى أن أسعار بعض الأدوية تضاعفت مرات عدة خلال فترة قصيرة، في حين يقول صيادلة إن الأسعار ثابتة منذ فترة، لكن القوة الشرائية للمواطن تتراجع.
يقول سالم سعيد، موظف متقاعد في ريف دمشق، إن طبيبه وصف له أدوية للقلب، إلا أن أسعارها تتجاوز راتبه التقاعدي، فاضطر إلى اقتناء دواء واحد فقط شهرياً.
وتشير ميادة مزيك، المتقاعدة منذ 15 عاماً، إلى أنها اضطرت للتوقف عن تناول أدوية السكري بسبب ارتفاع أسعارها التي تجاوزت مليون ليرة شهرياً، ما دفعها إلى اللجوء إلى بدائل عبر الإنترنت من الأعشاب والمأكولات، رغم أنها لا تلمس فعاليتها، مؤكدة أن خيارها لم يكن نابعاً من قرار بل من عجز وقلة حيلة.
ويؤكد الصيدلاني عدنان نحاس، أن أسعار الأدوية السورية لم تشهد ارتفاعاً خلال الأشهر الماضية، إلا أنها تبدو مرتفعة نتيجة انخفاض الدخل، وتكاد تقارب أسعارها في دول الجوار، مع وجود تفاوت بين شركات مختلفة ضمن الزمرة الدوائية نفسها، قد يصل إلى الضعف أحياناً.
عوامل متعددة
ترتفع أسعار الأدوية في سوريا نتيجة مجموعة عوامل مترابطة، أبرزها زيادة تكلفة المواد الأولية والمواد الفعالة المستوردة، إلى جانب ارتفاع أسعار مواد التغليف، ما ينعكس مباشرة على الأسعار بين الحين والآخر، فضلاً عن تقلبات سعر الصرف وتذبذب قيمة الليرة.
وأكد مدير الرقابة الدوائية والمشرف العام على منظومة الدواء في وزارة الصحة، الدكتور هاني بغدادي، لصحيفة “الثورة السورية”، أن مطالبة الوزارة للمعامل بتحسين الجودة الدوائية ومصادر المواد الأولية قد يؤدي إلى تغيّرات في التكاليف وبالتالي في الأسعار، إضافة إلى تكاليف الطاقة والتشغيل، بما في ذلك الكهرباء والنقل وأجور الأيدي العاملة، وكل ذلك يسهم في رفع الأسعار.
وأشار بغدادي إلى أن انقطاعات الإمداد وعدم توفر الأصناف بشكل منتظم قد يسبب نقصاً في بعض المواد، أو توقف خطوط الإنتاج، أو تأخر التوريد، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار نتيجة قلة العرض.
الأدوية النوعية
يشكل ارتفاع أسعار الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة أحد أبرز التحديات الصحية والمالية التي يواجهها المواطنون، لا سيما مع اعتماد كثير من المرضى على علاجات مستمرة وطويلة الأمد.وفي هذا السياق، قال بغدادي إن الأدوية المزمنة غير النوعية تُصنّع محلياً في سوريا، بينما الأدوية المزمنة النوعية مستوردة.
وأوضح أن المقصود بالأدوية النوعية هو الأدوية عالية الخصوصية والتكلفة، التي تستهدف أمراضاً معقدة أو حساسة، وترتبط عادة بعلاجات متقدمة تشمل أدوية السرطان الحديثة، والأدوية البيولوجية المناعية، وأدوية التصلب الروماتيزمي الشديد، وأدوية الأمراض النادرة، وأدوية مثبطات المناعة، والتي تُعد من العلاجات الحديثة الموجّهة.
وحول ارتفاع أسعار الأدوية النوعية بما يفوق قدرة كثير من المواطنين، أشار إلى أن تكاليف هذه الأدوية مرتفعة بسبب تقنيات تصنيعها المعقدة وغير المتوفرة في سوريا، وكونها أدوية بيولوجية، فضلاً عن أن أسعارها مرتفعة أصلاً في الأسواق المصدّرة. كما تقتصر عمليات استيرادها على عدد محدود من الشركات المستوردة، ما يحدّ من المنافسة ويؤدي إلى ارتفاع أسعارها، إضافة إلى متطلبات النقل والتخزين والتوزيع الدقيقة وارتفاع تكاليف التشغيل، الأمر الذي ينعكس بارتفاع كبير في أسعارها مع تفاوتها بين مورد وآخر.
دراسة منهجية
وسط استمرار الضغوط المالية على المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الأدوية، تسعى وزارة الصحة إلى وضع آليات مدروسة لضبط الأسعار وضمان توفر الأدوية الأساسية والمزمنة.
وكشف بغدادي عن أن الوزارة تعمل على دراسة منهجية لتخفيض التكلفة، مشدداً على أن التخفيض يجب أن يكون مدروساً، وألا يقتصر على خفض الأرقام النهائية بشكل عشوائي، كي لا تتوقف بعض الأصناف عن التصنيع المحلي، ما قد يهدد الأمن الدوائي.
ولذلك تعمل الوزارة على مراجعة آلية تسعير “أكثر عدالة”، ترتبط بالتكلفة الحقيقية وتضمن حماية الأدوية الأساسية والمزمنة، وفق بغدادي.
وأضاف أن تعزيز التصنيع المحلي يحظى بالأولوية، لأن الاعتماد على الاستيراد يفرض تحديات وسيناريوهات مكلفة، موضحاً أن الهدف الحالي هو توطين الصناعات الدوائية النوعية والمزمنة، لما لذلك من أثر أكثر استدامة في خفض التكلفة، والتخلص من فروقات تقلبات العملة، وفتح باب المنافسة المحلية.
كما لفت إلى أن التركيز في هذه المرحلة ينصب على “الشراء الذكي” عبر عقود مركزية ومناقصات لتأمين أدوية الأمراض المزمنة وبعض الأدوية النوعية وتزويد السوق بها، إضافة إلى تقليل الهدر ومكافحة التهريب لضمان استقرار الأسعار وتحقيق التخفيض الفعلي، إلى جانب تحسين سلاسل التوريد والتوزيع لتقليل الانقطاعات التي تسهم في ارتفاع الأسعار بشكل غير مباشر.
الرقابة الدوائية
في ظل الجهود المستمرة لضبط أسعار الأدوية وتحسين توفرها، تأتي الرقابة الدوائية كإحدى الركائز الأساسية لضمان سلامة وجودة المنتجات الدوائية.
وتحدث بغدادي عن آليات رقابية متعددة تعتمد بالدرجة الأولى على معايير وطنية مستمدة من مواصفات عالمية، تُطبَّق وفق الدستور المحلي المستمد من الدساتير العالمية.
وأضاف أن ذلك يجري عبر تحاليل مخبرية داخلية وخارجية وفحص عينات من الأسواق، حيث تُحلَّل الأدوية الحساسة عند كل دفعة تُطرح في السوق عبر تحليلين: الأول في مخابر الرقابة الدوائية الحكومية، والثاني في مخابر المعامل المصنَّعة، إضافة إلى دراسات الثباتية وفق شروط الرطوبة والحرارة.
وأشار إلى أن الهدف هو رفع جودة الأدوية السورية بما يتوافق مع المعايير العالمية، بما يفتح أبواب التصدير مستقبلاً، لافتاً إلى أن الأدوية السورية تُصدَّر حالياً إلى 23 بلداً، وتشمل أكثر من 1250 صنفاً دوائياً، وهو رقم قابل للزيادة في ظل العمل الحثيث على تحسين الجودة بما يتناسب مع المعايير العالمية.
وكشف عن خطة طويلة الأمد للوصول إلى المستوى الثالث وفق معايير منظمة الصحة العالمية، مؤكداً أن تحقيق هذا المستوى سيشكّل اعترافاً عالمياً بجودة الأدوية السورية، ويفتح أسواقاً أوسع للتصدير.
المعايير والتصنيف
يُقصد بمعايير منظمة الصحة العالمية والوصول إلى المستوى الثالث في هذا السياق، تصنيف نظام الرقابة على الدواء في الدولة كنظام “ناضج ومستقر ومتكامل” وفق التقييم الدولي للمنظمة.
يُمنح هذا التصنيف بعد تقييم شامل لوظائف الرقابة الدوائية باستخدام أداة المقارنة المرجعية العالمية (Global Benchmarking Tool – GBT) التابعة لمنظمة الصحة العالمية، التي تقيس مدى امتثال النظام لأكثر من 250 مؤشراً رقابياً وتنظيمياً دولياً.
وفق هذا التصنيف، يعني المستوى الثالث (ML3) أن الجهاز التنظيمي الوطني للأدوية يعمل بشكل متقن ومستقر ومتكامل، ويستوفي المتطلبات الأساسية لتنظيم فعال للمنتجات الطبية، بما في ذلك جودة وسلامة وفعالية الأدوية.
ويعكس هذا المستوى قدرة الجهاز الرقابي على تنفيذ وظائف رئيسية مثل ترخيص المنتجات، مراقبة الجودة بعد التسويق، واكتشاف الأحداث الضارة بفعالية، ما يضمن أن الأدوية المنتجة والمستوردة تلتزم بأعلى معايير السلامة والجودة.
ويعزز الوصول إلى هذا المستوى، الثقة الدولية بالأدوية المحلية ويفتح آفاقاً أوسع للتصدير والدخول إلى أسواق خارجية، كما يزيد من فرص جذب الاستثمارات في قطاع الدواء ويقوي قدرة الدولة على حماية الأمن الدوائي للمواطنين.
الثورة
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=128&id=204491