ارتفاع الأسعار في الأسواق قبيل رمضان.. عوامل هيكلية أم منع الاستيراد؟
12/02/2026
سيرياستيبس
مع اقتراب شهر رمضان، تشهد الأسواق السورية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار العديد من المواد، لا سيما الدجاج والخضار والفواكه.
ويربط بعض المواطنين هذا الارتفاع بقرارات الاستيراد، بينما يرى خبراء ومختصون أنه ناتج عن تداخل عوامل هيكلية وبنيوية تؤثر على العرض والتكلفة.
في جولة صحيفة الثورة السورية ضمن أسواق دمشق، أعرب عدد من المواطنين عن قلقهم من الارتفاع المتسارع في الأسعار مع اقتراب رمضان.
رامي ميسر، موظف، قال: إن الفروج كان يشكل “ملاذاً أخيراً” للأسر محدودة الدخل بعد ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، مضيفاً: إن الفجوة بين الراتب والأسعار تتسع بشكل مقلق، وأن الأسرة تضطر لتقليص الكميات أو الاستغناء عن بعض المواد الأساسية، مشيراً إلى أن كيلو لحم العجل يبلغ 1,900 ليرة (190,000 ليرة قديمة)، فيما الغنم يتجاوز 2,000 ليرة (200,000 ليرة قديمة).
أما أم محمد، ربة منزل، أشارت إلى أنها لاحظت تغيّر الأسعار قبل رمضان، معتبرة أن التفاوت بين التسعيرة الرسمية والسوق يربكها، مؤكدة أن الرقابة يجب أن تكون أكثر حضوراً، لأن المواطن لا يستطيع مجاراة هذه الزيادات.
ولفت محمود خليل، صاحب محل فروج، إلى أن حركة البيع تراجعت، مبيناً أن القدرة الشرائية انخفضت، وأن كثيراً من الزبائن يشترون بكميات قليلة وأحياناً بالقطعة الواحدة بعد أن كانوا يشترون فروجاً كاملاً أو أكثر أسبوعياً.
تفسير غير دقيق
منذ إحداثها قبل نحو ثلاثة أشهر، تصدر اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قرارات شهرية تحدد المنتجات الممنوعة من التصدير، استناداً إلى الروزنامة الزراعية ومتابعة الأسواق المحلية، ومطلع الشهر الحالي، منعت اللجنة استيراد البطاطا، والبطاطا المفرّزة، الملفوف، القرنبيط، الجزر، البرتقال، الليمون، الفريز الطازج، بيض المائدة، الفروج الحي، إضافة إلى الفروج الطازج والمجمد وأجزائه، علماً أن الأخير حافظ على موقعه في قائمة المنع منذ شهر كانون الأول الماضي.
وقال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، لصحيفة الثورة السورية: إن قرار وقف استيراد بعض المواد الزراعية ليس جديداً ويجري تجديده شهرياً منذ فترة طويلة، مؤكداً أنه لا يرتبط بارتفاع الأسعار المسجل مؤخراً في الأسواق.
وأضاف: إن المواد المشمولة بالقرار لا تدخل إلى البلاد أساساً، ولم تكن مستوردة ليُتخذ قرار بإيقافها لاحقاً، معتبراً أن ربط الغلاء بهذه القرارات تفسير غير دقيق لواقع السوق.
وفيما يتعلق بارتفاع أسعار الفروج، شدد علوش على أن استيراد الفروج ممنوع منذ أشهر عدة، مبيناً أن الزيادة الأخيرة تعود لأسباب داخلية مرتبطة بمربي الدواجن وتكاليف الإنتاج، وهو ملف تتولاه وزارة الاقتصاد والصناعة، وليس للمنافذ أو قرارات الاستيراد علاقة مباشرة به.
وأوضح أن لجنة الاستيراد والتصدير ستعقد جلسة قريبة قبيل رمضان لبحث واقع السوق، قد تفضي إلى قرارات جديدة لتحقيق التوازن بين حماية المنتج المحلي واستقرار الأسعار.
عوامل هيكلية
قدّم رئيس جمعية حماية المستهلك، الدكتور عبد العزيز المعقالي، قراءة تحليلية لأسباب الارتفاع، معتبراً أن ما يجري هو نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الهيكلية والظرفية.
وأوضح المعقالي أن أولى هذه العوامل تتعلق بالعرض وسلسلة الإنتاج المحلية، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ يشكل ارتفاع أسعار المدخلات الأساسية، لا سيما العلف، والمحروقات، واللقاحات، والأدوية البيطرية، الضغط الأكبر على المربين، مشيراً إلى أن زيادة تكاليف الطاقة بشكل خاص رفعت الأعباء التشغيلية بشكل حاد.
وأضاف: إن البيئة الاقتصادية الصعبة، مع غياب ضمانات تغطية التكاليف وتحقيق هامش ربح معقول، دفعت نسبة من المربين إلى التوقف عن النشاط، ما أدى إلى تراجع أعداد المزارع والإنتاج، وبالتالي تقلّص المعروض من الدجاج الحي في المزارع.
ولفت إلى تحديات بنيوية متراكمة يعاني منها قطاع الدواجن منذ سنوات، شملت تدمير منشآت وصعوبات مزمنة في تأمين المستلزمات والخدمات الأساسية، كالماء والكهرباء والرعاية الصحية البيطرية، ما أضعف قدرته الإنتاجية على المدى الطويل.
أما على صعيد السياسات التجارية، أشار المعقالي إلى أن قرار وزارة الاقتصاد والصناعة وقف استيراد الدواجن المجمدة وتشديد الرقابة، يعد عاملاً محورياً، بهدف حماية المنتج المحلي من منافسة المستورد الذي يباع أقل من تكلفة الإنتاج، إضافة إلى حماية المستهلك من مخاطر التخزين غير المناسب، خاصة عند ارتفاع درجات الحرارة، إلا أن أثره المباشر تمثل في تقليل المعروض الكلي في السوق، ما ضغط على الأسعار نحو الارتفاع.
وأشار أيضاً إلى عامل الطلب الموسمي، موضحاً أن اقتراب رمضان يشهد عادة زيادة في الاستهلاك وطلباً كثيفاً من قبل المطاعم ومحال الوجبات السريعة، ما يزيد ضغوط الطلب في سلسلة التوريد. وحذر المعقالي من انعكاس هذه العوامل سلباً على القدرة الشرائية للأسر، وتراجع حركة البيع، وجعل الاستثمار في هذا القطاع مغامرة مالية محفوفة بالمخاطر.
ضبط السوق
شدد المعقالي على أهمية متابعة دقيقة من الجهات المعنية لضبط السوق وتأمين احتياجات المواطنين، وتمكين الإنتاج المحلي عبر تأمين الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وأعلاف ومستلزمات بيطرية، وتقديم دعم مالي للمربين لتجاوز مرحلة التكاليف المرتفعة، والعمل على توفير بيانات دقيقة عبر السجل الزراعي لتنظيم القطاع وتحسين قدرته التخطيطية والإنتاجية، إضافة إلى خلق روح المنافسة بين المربين وأصحاب المصالح.
وأكد أنه أمام ازدياد الطلب على الفروج واقتراب رمضان، من المهم إغراق السوق بهذه المادة والتأكيد على مربي الدواجن بعدم التوقف وزيادة الإنتاج، معتبراً أن التسرع في منع الاستيراد قد يستدعي إعادة النظر في القرار. كما دعا إلى منع تصدير الإنتاج المحلي في ظل حاجة السوق المحلي، وخاصة للإنتاج الجيد، وفي ظل ازدياد الطلب.
وتوقع ألا تستمر الأزمة طويلاً، وأن تتراجع أمام جهود المربين في تلبية حاجات السوق وسد الثغرات، محذراً من محاولات بعض المهربين تمرير استيراد الفروج بأسعار منخفضة بما يضر بإنتاج القطاع نتيجة المنافسة الكبيرة.
وفي سياق متصل، ذكّر المعقالي بأن وزارتي الزراعة والصحة نفتا وجود أي مرض يصيب قطاع الدواجن، مؤكداً أن الخطر يكمن في التلوث وسوء التداول، وليس في أمراض الدجاج نفسها.
الأسعار في الأسواق
قال المعقالي إن جمعية حماية المستهلك رصدت الأسواق ووجدت تفاوتاً واضحاً بين التسعيرة الرسمية والأسعار المتداولة فعلياً في عدد من المحافظات.
وبحسب المعقالي، بلغ سعر كيلوغرام شرحات الدجاج نحو 5,80 ليرة (58,000 ليرة قديمة)، في حين أن تسعيرته الرسمية 4,50 ليرة (45,000 ليرة قديمة)، فيما وصلت الوردة إلى 3,60 ليرة (36,000 ليرة قديمة) مقابل تسعيرة رسمية تبلغ 2,20 ليرة (22,000 ليرة قديمة)، وسجل الجناح 2,20 ليرة (22,000 ليرة قديمة) مقابل 1,80 ليرة رسمياً (18,000 ليرة قديمة)، وتراوح سعر الفروج الكامل بين 3,20 و3,50 ليرة (32,000-35,000 ليرة قديمة) مقابل تسعيرة رسمية تبلغ 2,80 ليرة (28,000 ليرة قديمة).
وبالحديث عن الخضار، سجلت البندورة في أسواق دمشق 100 ليرة (10,000 ليرة قديمة) للكيلوغرام، النعنع 20 ليرة (2,000 ليرة قديمة)، البقدونس 15 ليرة (1,500 ليرة قديمة)، الخس 30 ليرة (3,000 ليرة قديمة)، البصل الأخضر 15 ليرة (1,500 ليرة قديمة)، البطاطا بين 50 و60 ليرة (5,000-6,000 ليرة قديمة)، الخيار البلاستيكي بين 80 و100 ليرة (8,000-10,000 ليرة قديمة)، الفجل 15 ليرة (1,500 ليرة قديمة)، الزهرة 30 ليرة (3,000 ليرة قديمة)، الملفوف 30 ليرة (3,000 ليرة قديمة)، الباذنجان 100 ليرة (10,000 ليرة قديمة)، البصل اليابس بين 60 و70 ليرة (6,000-7,000 ليرة قديمة) للكيلوغرام الواحد، والليمون الأصفر 200 ليرة (20,000 ليرة قديمة)، والثوم 350 ليرة (35,000 ليرة قديمة).
وتراوحت أسعار الفواكه بين 100 و120 ليرة للموز (10,000-12,000 ليرة قديمة)، البرتقال 150 ليرة (15,000 ليرة قديمة)، التفاح بين 150 و180 ليرة (15,000-18,000 ليرة قديمة)، والجزر بين 50 و60 ليرة (5,000-6,000 ليرة قديمة) للكيلوغرام الواحد.
وبالمقابل، أكد مدير مديرية حماية المستهلك في الإدارة العامة للتجارة الداخلية، حسن الشوا، أن المديرية لا تتدخل في تحديد أسعار السلع في السوق الحرة، مشيراً إلى أن دورها يقتصر على مراقبة الوزن والمواصفات القياسية والشروط الصحية وإعلان السعر.
وأوضح الشوا في تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية”، أن للمديرية “دائرة خاصة لسبر الأسعار في السوق”، تتدخل في حال ارتفاع سعر مادة ما بشكل غير طبيعي قياساً بالمحافظات أو الفترات السابقة، وذلك ضمن التعليمات التنفيذية لمنع البيع بسعر زائد.
تكلفة الإنتاج
وضع أمين سر لجنة الدواجن في اتحاد غرف الزراعة، مازن مارديني، يده على ما وصفه بـ”الجرح الحقيقي”، معتبراً أن أسباب الارتفاع تتجاوز مسألة الاستغلال، وترتبط بثلاثة عوامل موضوعية.
وأوضح مارديني لصحيفة “الثورة السورية”، أن أول هذه العوامل هو الطقس البارد الذي يفرض تكاليف تدفئة باهظة، إذ يحتاج الفروج منذ كونه صوصاً حتى عمر 45 يوماً إلى تدفئة مستمرة لا تحتمل الانقطاع، ما يشكل عبئاً مالياً كبيراً، دفع كثيراً من المربين إلى الإحجام عن التربية، وخلق ثغرة في العرض أدت إلى ارتفاع الأسعار.
أما العامل الثاني، بحسب مارديني، فيتمثل في التخبط الذي أحدثه دخول الفروج المثلّج إلى الأسواق، والذي ترك أثراً سلبياً مزدوجاً على المربي والمستهلك، موضحاً أن السماح بالاستيراد كان مخصصاً لمعامل المرتديلا فقط، إلا أن السوق شهد تسريبات كبيرة للفروج المثلّج إلى المحال، في ظل انقطاع متكرر للكهرباء، ما أدى إلى فكّ التجميد وإعادة تجميده، وجعل المادة غير صالحة للاستهلاك أحياناً، وأدخل المستهلك في دوامة الغش.
وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة قد أصدرت في شهر آب الماضي قراراً يمنع استيراد الفروج المجمد “حفاظاً على صناعة الدواجن، وحماية المستهلك من الأضرار الناجمة عن التخزين والتداول غير الآمن”، لكن الوزارة أصدرت في 23 من أيلول الماضي قراراً يسمح باستيراد مادة الفروج المجمد للمنشآت الصناعية المرخصة بصناعة اللحوم (المرتديلا).
وأشار مارديني إلى أن “الجشع” موجود لكنه ليس السبب الأساسي في سوق يخضع لقانون العرض والطلب، موجهاً في الوقت نفسه لوماً للسلوك الاستهلاكي عبر ثقافة التخزين المبالغ فيه قبل رمضان، متسائلاً: “هل سيختلف استهلاكنا بمجرد رؤية هلال رمضان؟”، مؤكداً أن استهلاك الفروج في المطاعم ومحال الشاورما ينخفض عادة في رمضان، ما يعني احتمال انخفاض السعر لاحقاً.
كما تحدث عن “بُعد أخلاقي” في القضية، متسائلاً: “هل سبق لأي مواطن أن رأى محل شاورما يكتب أن السيخ من فروج مثلّج ويبيعه بسعر أرخص؟”، معتبراً أن قرار المنع جاء لحماية المواطن من الغش، ولحماية المنتج الوطني الذي يبقى الضمانة الأهم للجودة والأمان الغذائي.
وبين تأكيد الجهات الرسمية أن قرارات وقف الاستيراد لا صلة لها بارتفاع الأسعار، وتحذيرات جمعية حماية المستهلك من تداخل عوامل الإنتاج والسياسات والطلب، ورؤية المربين المرتبطة بالتكاليف والطقس وسلوك السوق، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تنتظر حلولاً متوازنة تضمن استقرار الأسعار وحماية الإنتاج المحلي في آن معاً.
صحيفة الثورة
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=128&id=204510