سيرياستيبس :
يشهد القطاع المصرفي السوري أزمة سيولة خانقة تؤثر على قدرة المصارف في جذب الودائع وتحويلها إلى مشاريع استثمارية فاعلة.
ورغم اعتبار الفوائد المصرفية أداة لتحفيز الادخار وجذب الأموال، يبقى العامل الأساسي مرتبطاً بدرجة الثقة بالمصارف.
وتشكل الثقة في القطاع المالي حجر الزاوية لاستقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن عمل المؤسسات المالية بشفافية ومسؤولية يعزز الثقة، ويسهم أيضاً في دعم الاستقرار الاقتصادي وتشجيع الاستثمار وتحفيز النمو، وفق ما قال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية.
وفي هذا الإطار، أوضح الخبير المالي والمصرفي قاسم زيتون، أن الفوائد المصرفية تعد إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها المصارف لتحقيق أهداف اقتصادية.
وأشار زيتون إلى أن الفوائد تُشجع الادخار وزيادة الودائع من أجل دعم الاقتصاد، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن رفع معدلات الفائدة في ظل الوضع الراهن في سوريا لن يحقق النتائج المرجوة، لأن “المشكلة الحقيقية تكمن في فقدان الثقة بالقطاع المصرفي نتيجة السياسات المتبعة في السنوات الأخيرة”.
وفي السياق ذاته، أكد الخبير الاقتصادي عامر شهدا، لصحيفة “الثورة السورية”، أن الوضع في سوريا يشهد تراجعاً حاداً على صعيد الثقة بين المواطنين والمصارف، معتبراً أن الفوائد المصرفية لم تعد تشكل الحافز الكافي لجذب الودائع.
وأضاف: “الودائع ليست مسألة فوائد فقط، لكنها تتعلق أكثر بالثقة التي باتت شبه معدومة بين المواطن والمصرف”.
وأشار شهدا إلى “الوضع السيئ” الذي يعاني منه القطاع المصرفي، قائلاً: “المصارف لا تملك سيولة كافية، وبالتالي لا تستطيع التوظيف في مشاريع اقتصادية تنموية. الوضع الحالي يعكس عدم القدرة على دفع الودائع للمواطنين، ما يؤدي إلى تراجع الودائع بشكل ملحوظ”.
وأوضح أن الأسعار المرتفعة للعملة الأجنبية، وتفضيل المواطنين التحويل إلى الدولار أو الذهب بدلاً من إيداع الأموال في المصارف، يُعقّدان المشكلة أكثر، مؤكداً أن الفوائد التي تقدمها المصارف لا تعادل العوائد التي يمكن تحقيقها من المضاربة على الدولار.
كما لفت إلى أن الفائدة لا يمكن أن تشكل أداة جاذبة ما دام التضخم مستمراً، والمواطن يفضل طرق ادخار أخرى أكثر أماناً وربحية.
قال الحصرية: إن القيم والسياسات والاستراتيجيات التي يعتمدها مصرف سوريا المركزي، إضافة إلى الأنظمة والقرارات التي يتم اتخاذها، تهدف جميعها إلى ترسيخ الثقة بالقطاع المالي، باعتبارها الأساس لأي اقتصاد قوي ومستدام.
لكن شهدا يرى أن المصارف في سوريا لا تمتلك حالياً استراتيجية واضحة للتوظيف، ما جعلها في حالة تردد بشأن توجيه الودائع إلى مشاريع استثمارية، وخاصة مع استمرار السياسة الانكماشية التي يتبعها مصرف سوريا المركزي.
وأضاف: “نحن نرى أن مشاريع الاستثمار التي تُطرح في سوريا تُموّل أساساً من قبل المصارف الأجنبية وليس المصارف السورية، ما يجعل الأموال المحلية في خطر ولا تساهم في تنمية الاقتصاد الوطني”.
من جهته، يرى زيتون أن سياسات حبس السيولة وعدم قدرة المودعين على سحب أموالهم، من الأسباب الرئيسية التي أضعفت الثقة في النظام المصرفي السوري، مشيراً إلى أن الوضع يقتضي ضرورة إعادة الثقة أولاً عبر السماح للمودعين بالوصول إلى أموالهم بشكل حر، ومن ثم النظر في أدوات أخرى لتحفيز الإيداعات.
واعتبر أنه “في ظل الواقع الحالي، لا يمكن لأي شخص أن يغامر بإيداع أمواله في المصارف ما دام لا يستطيع سحبها عند الحاجة”.
رأى شهدا أن الحلول المقترحة تتطلب وجود استراتيجية واضحة، وقال: “من المهم أن تُفتح نقاشات حول المشاريع الاقتصادية المستدامة، ويتم إشراك الخبراء والكفاءات السورية في اتخاذ القرارات الاقتصادية بدلاً من التوجه بشكل أحادي”، معتبراً أن هذه الخطوة أساسية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمصارف.
واعتبر أن من الأجدى أن تتحول جميع الاستثمارات الخاصة بالقطاع العام إلى شركات مساهمة مغلقة يتم طرح أسهمها في الأسواق المالية، ما يسهم في تقليص الاكتناز وتحفيز الاستثمار الوطني.
وأعرب شهدا عن اعتقاده أن الوضع الاقتصادي يتطلب أيضاً تحسين البيئة القانونية وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الابتكار، وهو أمر لم يتم التركيز عليه بشكل كافٍ في المرحلة الحالية.
وأكد أن الفوائد مهما ارتفعت لن تكون كافية في ظل استمرار التضخم، مشيراً إلى أن المصارف يجب أن تركز على استقطاب المدخرات من خلال تقديم آليات استثمارية جديدة تتلاءم مع احتياجات السوق.
وفي السياق ذاته يشدد زيتون على أنه لا توجد ضمانات حقيقية سوى الثقة التي يمكن أن تعيد دور المصارف في الاقتصاد.
وأشار
إلى أن العقود الموقعة بين المصارف والمودعين تعد جزءاً من الضمانات، لكن
في النهاية تبقى الثقة العامل الأكثر أهمية، وأضاف: “لا توجد وسيلة ضامنة
سوى الثقة في القطاع المصرفي، وعندما تعود الثقة سيتمكن المواطنون من
التعامل مع المصارف بثقة”.
أشار زيتون إلى أهمية فتح السحوبات للمودعين، مؤكداً أن المصارف يجب أن تفرج عن الودائع وتسمح للمواطنين بسحب أموالهم طبقاً للعقود الموقعة، وبعد ذلك يمكن التفكير في رفع معدلات الفائدة لجذب الودائع.
وتطرق زيتون إلى هيكلية الودائع في المصارف، موضحاً أن تقسيم الودائع إلى ثلاثة أنواع (حسابات جارية، ودائع التوفير، ودائع لأجل) يؤثر بشكل كبير على قدرة المصارف على تقديم قروض طويلة الأجل.
وأضاف أن الودائع الجارية عادة ما تكون أكثر تقلباً، ولا يمكن الاعتماد عليها بشكل كبير في عمليات التمويل طويل الأجل، بينما تمثل الودائع لأجل النسبة الأكبر من السيولة التي تعتمد عليها المصارف في تقديم قروض متوسطة وطويلة الأجل.
وحين تمثل الحسابات الجارية النسبة الأكبر من السيولة في المصارف، فإن ذلك يشكل تحدياً كبيراً في قدرتها على تمويل القروض طويلة الأجل، حيث يمكن أن تحدث سحوبات مفاجئة تؤدي إلى تدهور الوضع المالي للمصارف، وفق زيتون.
وأكد الخبير المصرفي ضرورة إصلاح السياسات النقدية الحالية والعمل على إعادة الثقة في القطاع المصرفي، مشدداً على أن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال فتح السحوبات وتسهيل الوصول إلى الودائع.
وأضاف: “المطلوب اليوم هو إعادة فتح السحوبات للمواطنين وفقاً للعقود الموقعة، وبعدها يمكن البدء برفع معدلات الفائدة لجذب الودائع وتحفيز التمويل”.
الثورة
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=126&id=204519