السعودية تعلن انطلاق أكبر مشروع غاز صخري في الشرق الأوسط
28/02/2026
سيرياستيبس
يشكل حقل الجافورة علامة جديدة وفارقة في مسيرة قطاع الطاقة السعودي، مع الإعلان رسمياً عن بدء الإنتاج من أكبر حقل غاز صخري غني بالسوائل في الشرق الأوسط.يأتي ذلك في وقت لم يعد فيه التوسع في الغاز غير التقليدي مساراً مكملاً في استراتيجية الطاقة لدى "أرامكو" السعودية، بل تحول إلى خيار هيكلي لإعادة صياغة مزيج الوقود وتعزيز مرونة العائدات النفطية.
ففي ظل تنامي الطلب المحلي على الكهرباء والتصنيع، تتجه الشركة إلى تسريع استثمارات الغاز بوصفه رافعة مزدوجة تشمل تلبية الحاجات الداخلية من جهة، وتحرير مزيد من النفط الخام للتصدير من جهة أخرى بما يعزز كفاءة استغلال الموارد ويرفع من القيمة المضافة لكل برميل منتج.
ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن أمن الطاقة لم يعد يقاس فحسب بحجم الإنتاج النفطي، بل بقدرة الدولة على إدارة مزيجها الطاقي بكفاءة، وتقليل الاعتماد على حرق النفط في محطات الكهرباء، وتحويله إلى سلعة تصديرية ذات عائد أعلى.
مسار جديد
ومع توسع مشاريع الغاز غير التقليدي، يتبلور مسار جديد يوازن بين الاستدامة المالية والحاجات الصناعية المتسارعة، ويمنح الاقتصاد السعودي هامشاً أوسع للتحرك في أسواق الطاقة العالمية المتقلبة.
وفي هذا السياق، بدأت شركة "أرامكو" إنتاج الغاز من حقل الجافورة، أكبر حقل غاز صخري منفرد خارج أميركا الشمالية، ضمن مشروع تتجاوز استثماراته 100 مليار دولار، يعد الأول للشركة في تطوير موارد الغاز غير التقليدي باستخدام تقنيات التكسير الهيدروليكي المشابهة لتلك المعتمدة في حقول النفط الصخري الأميركية.
ويمثل دخول الجافورة مرحلة الإنتاج تحولاً عملياً في سياسة الطاقة بالبلاد، إذ يتوقع أن يسهم المشروع في تحرير نحو مليون برميل يومياً من النفط الخام بحلول نهاية العقد الحالي، عبر إحلال الغاز محل الوقود السائل في محطات توليد الكهرباء، مما يعزز القدرة التصديرية للرياض بصفتها أكبر مصدر للنفط في العالم.
طاقة إنتاجية مستهدفة حتى 2030
بحسب بيان الشركة، من المتوقع أن يصل إنتاج الحقل إلى ملياري قدم مكعبة قياسية من غاز البيع يومياً بحلول عام 2030، إضافة إلى 420 مليون قدم مكعبة قياسية من الإيثان يومياً، ونحو 630 ألف برميل يومياً من سوائل الغاز والمكثفات.
ويمتد حقل الجافورة على مساحة تقارب 17 ألف كيلومتر مربع، فيما تقدر موارده بنحو 229 تريليون قدم مكعبة قياسية من الغاز الخام، إلى جانب نحو 75 مليار برميل من المكثفات والسوائل المصاحبة، مما يجعله أحد أكبر موارد الغاز غير التقليدي عالمياً وأكثرها غنى بالسوائل العالية القيمة.
وتستهدف "أرامكو" رفع الطاقة الإنتاجية الإجمالية للغاز إلى نحو 6 ملايين برميل مكافئ نفطي يومياً بحلول عام 2030، بزيادة تقارب 80 في المئة مقارنة بمستويات عام 2021، في إطار برنامج توسع واسع يعيد رسم خريطة أعمال الشركة بين النفط والغاز.
تدفقات نقدية مرتقبة
إلى جانب البعد التشغيلي، يحمل المشروع ثقلاً مالياً واضحاً، إذ تتوقع الشركة أن يضيف برنامج الغاز تدفقات نقدية إضافية تراوح ما بين 12 و15 مليار دولار بحلول نهاية العقد، رهناً بمستويات الطلب وأسعار السوائل المصاحبة.
وتضخ "أرامكو" حالياً نحو 10 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، يخصص قرابة 70 في المئة منها للتصدير، مما يجعل أي كميات إضافية يتم تحريرها من الاستهلاك المحلي عاملاً مباشراً في تعزيز الإيرادات الخارجية وتحسين مرونة التدفقات النقدية.
جوهرة التاج في محفظة الغاز
وكان الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين للشركة أمين الناصر، قد وصف الجافورة في وقت سابق بأنه "جوهرة التاج" في محفظة الغاز لدى "أرامكو"، مشيراً إلى أن المشروع سيضيف كميات كبيرة من الوقود السائل العالي القيمة إلى جانب الغاز، بما يعزز الربحية على المدى الطويل.
وقال الناصر إن الجافورة ومعمل تناقيب يعززان بصورة كبيرة محفظة الغاز لدى "أرامكو" ويوسعان قدراتنا على نطاق واسع، مؤكداً أن الغاز يمثل محوراً رئيساً في استراتيجية النمو، سواء من جهة تلبية الطلب المحلي المتزايد أو دعم قطاعات التصنيع والبتروكيماويات.
تكامل البنية التحتية
بالتوازي مع بدء الإنتاج من الجافورة، أعلنت "أرامكو" تشغيل معمل معالجة الغاز في تناقيب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025، على أن تصل طاقته إلى معالجة 2.6 مليار قدم مكعبة قياسية يومياً عند بلوغه التشغيل الكامل خلال عام 2026.
ويعد المعمل أحد أكبر مرافق معالجة الغاز في العالم، ويعالج كذلك الغاز المصاحب لإنتاج النفط الخام من حقلي المرجان والظلوف البحريين، في إطار توسعة متكاملة للبنية التحتية الداعمة لمنظومة الغاز.
ويعكس التكامل بين الإنتاج والمعالجة خطوة استراتيجية في بناء شبكة غاز مترابطة تدعم الصناعات الكبرى والبتروكيماويات، إلى جانب قطاعات ناشئة مثل مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد على طاقة مستقرة ومنخفضة الكلفة.
أول صادرات المكثفات
وفي تطور مواز، باعت "أرامكو" مكثفات نفطية من مشروع الجافورة في أول عملية تصدير يعلن عنها من هذا التطوير الضخم.
ووفق متداولين على دراية بالصفقات، جرى بيع شحنات فورية عدة إلى مشترين في آسيا، على أن يتم تحميلها في أواخر فبراير (شباط) الجاري أو مطلع مارس (آذار) المقبل.
وتعد المكثفات سوائل نفطية خفيفة غالباً ما ترافق مكامن الغاز، وتتميز بهوامش ربحية مرتفعة، مما يمنح المشروع بعداً مالياً إضافياً ويعزز تنوع مصادر العائد.
وفي تقرير سابق، توقع محللو "بنك أوف أميركا" أن يتمتع الجافورة بإمكانات طويلة الأجل قد تفوق بعض حقول النفط الصخري الأميركية، مستندين إلى ضخامة موارده، وانخفاض كلفة التطوير، وتوافر كميات أكبر من السوائل المصاحبة.
إعادة رسم مزيج الطاقة
ويمثل دخول الجافورة مرحلة الإنتاج نقطة تحول في سياسة الطاقة بالبلاد، التي تتجه إلى تعزيز دور الغاز في مزيج الطاقة المحلي وتقليص الاعتماد على حرق النفط في توليد الكهرباء، بما يدعم مستهدفات خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ضمن إطار الحياد الصفري المستهدف بحلول عام 2060.
ومع تسارع تنفيذ المشروع، لا يقتصر الأثر على زيادة الإمدادات، بل يمتد إلى إعادة توزيع موارد الطاقة داخلياً، وتعزيز القدرة التصديرية خارجياً، وترسيخ موقع البلاد ضمن أكبر 10 منتجين للغاز عالمياً.
وبهذا، يعكس الجافورة انتقال "أرامكو" من نموذج التوسع النفطي التقليدي إلى نموذج أكثر تنوعاً واستدامة، يصبح فيه الغاز ركيزة استراتيجية للنمو الصناعي والمالي خلال العقد المقبل، ويؤسس لمرحلة جديدة في هيكلة قطاع الطاقة.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=204678