الاكتئاب... مرض حائر بين العلم والإيمان
24/04/2026
سيرياستيبس
الاهتمام موسمي، والهلع بحسب الحوادث، والشد والجذب لا يتوقفان، أمّا التشخيص والعلاج بل والاعتراف والإقرار أو حتى المعرفة فتظل حبيسة الصدور، ولا يسلط عليها الضوء إلا إذا أقدم الشخص المكتئب على التخلص من حياته. مقاصل الوصم، ومحاكم الحساب، وجهود التقليل والتهوين تحيط بالاكتئاب في مجتمع تحوم أعراض الاكتئاب في محيطه، وتغلف كثيراً من بيوته، وتهيمن على الملايين دون شرط تحديد أعدادهم، وتوصيف مرضهم، ومعرفة درجته أو نوعه أو سُبل علاجه.
صارت عبارات "أنا مكتئب" وتصريفاتها تتردد كثيراً على ألسنة المصريين، الغالبية تتعامل مع مصاعب الحياة وغلاء المعيشة والقلق والخوف والمشكلات العارضة والخلافات الزوجية وضغوط العمل والإرهاق وغيرها من أثقال الحياة اليومية باعتبارها اكتئاباً، هذه الغالبية تتعامل مع هذه الضغوط باعتبارها "شدة وستزول".
يبقى الاكتئاب شدة، لكنها لا تزول بزوال مشكلات العمل، أو خلافات البيت أو زيادة الراتب أو الحصول على قسط كافٍ من النوم، ويظل مريض الاكتئاب في مصر يعاني الأمرّين، مرّ المرض، ومرّ الوصم أو الإنكار أو الجهل أو الإصرار المزمن على الربط بين المرض النفسي وقلة الإيمان، وأحياناً كل ما سبق.
حوادث التخلص من الحياة التي تابعها المصريون في الأشهر القليلة الماضية، وبعضها على أثير البث مباشرة، فتحت نقاش الاكتئاب عقب كل حادثة.
من البلوغر بسنت سليمان إلى الشاب الذي شنق نفسه على جسر في القاهرة، إلى الطبيبة التي ألقت نفسها من الطابق الثامن، وكذلك الرجل أنهى حياته أمام مركز طبي بعدما أنهكه المرض وتعقدت إجراءات العلاج البيروقراطية، وآخر ألقى بنفسه أمام مترو الأنفاق، وغيرهم، يفجع المصريون في كل مرة يطالعون فيها خبر انتحار أحدهم.
إنه الخبر الذي يأتي عادة محملاً بكلمة "اكتئاب"، سواء كان المنتحر مريض اكتئاب جرى تشخيصه، أو يعتقد المقرّبون أنه عانى الاكتئاب، أو بحكم منطق يسمّي أي مشاعر حزن أو غضب أو ميل للعزلة اكتئاباً.
حديث الاكتئاب يعلو في مصر هذه الأيام، إذ الربط الشعبي بين الشخص الذي يُنهي حياته والاكتئاب ليس وحده المزمن، تعامل المؤسسات الدينية مع المرض النفسي، لا سيما حين يصل بصاحبه إلى مفارقة الحياة يعاني الجمود حيناً، والإصرار على الربط بينه وبين ضعف الوازع الديني أحياناً، والمتضرر في كل الأحوال هو مريض الاكتئاب.
مؤسسة الأزهر تسارع إلى توضيح موقفها من المنتحرين، والمرض النفسي والمرضى في كل مرة تشغل فيها حادثة انتحار الشارع المصري، وتتردد كلمة اكتئاب ضمن تفاصيلها، فعقب إنهاء البلوغر بسنت سليمان حياتها قبل أيام، أصدر "مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية" بياناً مطولاً بدأه بعبارة تتكرر في تعليقه أو تحذيره من هكذا أفعال، "طلب الراحة في الانتحار وهم، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، والمؤمن الحق يعلم حقيقة الابتلاء الذي قد يحمل الشَّر من وجه، ويحمل الخير من وجوه، وأن الدنيا دار اختبار ومكابدة، وأن الآخرة هي دار الجزاء والمستقر".
وأضاف، "الإسلام حفظ النفس مقصداً من أَولى وأعلى مقاصده حتى أباح للإنسان مواقعة المحرم في حال الاضطرار ليُبقي على حياته ويحفظها من الهلاك، وأن الإسلام جاء بذلك موافقاً للفطرة البشرية السّوية، ومؤيداً لها"، معتبراً أن ما وصفه بـ"مخالفة الإنسان فطرته"، وإقباله على إنهاء حياته بيده، ظناً منه أنه يُنهي بذلك آلامه ومشكلاته، أمر عجيب.
ومضى البيان موضحاً أن "المؤمن" يعلم أن الدنيا دار ممر، ولا تعدو كونها دار اختبار وافتنان ومكابدة، والآخرة دار حساب وجزاء والخلود والمستقر، وأنها بداية الحياة الأبدية، لا نهايتها"، معتبراً أن ذلك يوضّح دور الاعتقاد والإيمان في الصبر على الحياة وبلاءاتها وتجاوز تحدياتها، وأن "الله جعل الابتلاء اختباراً وتمحيصاً ليظهر صدقُ إيمان المؤمنين وصبرُهم وشكرُهم، وليظهر السّاخطُ عند البلاء، والجاحدُ عند النّعماء، كي يتفاضل النّاس ويتمايزوا، ثمَّ يُوفَّى كلٌّ جزاءَه في دنياه وأخراه".
وبعد هذا الموقف الواضح والصريح، عاد الأزهر ليشير إلى أن "بيان حكم الانتحار المذكور لا يعارض النظر إليه كنتيجة لاضطراب نفسي قد يحتاج في بعض الحالات إلى معالجة طبية مُتخصّصة، أو لمعاملة أُسرية ومُجتمعية واعية، فالدين يدعم العلم ولا يُناقضه، ويدعو الأسرةَ إلى تحمّل مسؤولياتها إزاء تربية أبنائها وتنشئتهم تنشئة إيمانية سوية وسطية، ويعتمد الحوار الهادئ البنّاء كأحد أهم أدوات وأساليب العلاج".
وأبدت دار الإفتاء المصرية تفهماً لما قد يتعرّض له الإنسان في حياته "من لحظات يثقل فيها الهم، وتضيق فيها السبل، وتخبو في نفسه أنوار الرجاء"، إلا أن هذا "لا يمكن أن يكون مبرراً لليأس أو القنوط، أو دافعاً لإنهاء الحياة"، موضحة أن الحل يكمن في "الكلمة الطيبة والدعم الإنساني الذي يواسي ويُعين على تجاوز المحن، ومؤكدةً أن الفرج قريب، وأن رحمة الله أوسع من كل ألم، وأن بعد العسر يُسراً".
وحتى لا تترك الباب مفتوحاً أمام التفكير في موقف المنتحر "الإيماني"، قالت "الانتحار من كبائر الذنوب، لما فيه من اعتداء على النفس التي حرّم الله قتلها".
ولا يختلف الأمر كثيراً في الكنيسة الأرثوذكسية، حيث "الانتحار خطية، واعتداء على نعمة الحياة التي منحها الله للإنسان باعتبارها نعمة كبيرة وأغلى عطية أعطاها الله للإنسان"، وأن "الله خلق الإنسان للحياة، ولذلك الذي منح الحياة للبشر هو الوحيد صاحب إنهاء هذه الحياة للإنسان أيضاً".
وكقاعدة عامة، لا تُصلي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية صلوات الجنازة على المنتحر، مع وجود استثناءات بحسب درجة وعي الشخص المنتحر، أو إقامة صلوات لدعم أسرة المنتحر لا على المنتحر نفسه.
الاكتئاب... مفهوم غامض
يبقى الاكتئاب مفهوماً غامضاً، يتجاذبه الجميع، يختلفون على تعريفه، ويجتمعون على شيوعه، وتبقى حقيقته، ومعدلات انتشاره، وتوصيف أعراضه، وتصنيف مكانته إن كان مرضاً يستوجب العلاج أو ضعفاً يتطلب تقوية الإيمان، مختلفاً عليها، ولا تلقى الاهتمام الذي تستحقه إلا في المواسم والمناسبات.
بلغة العلم والأرقام، تقول "منظمة الصحة العالمية" إن اضطرابات الصحة العقلية والنفسية استمرت في الارتفاع على مستوى العالم، ولم تستثن بلداً أو فئة بعينها من السكان. وتشير إلى أن واحداً بين كل ثمانية أشخاص في العالم عانى اضطراباً عقلياً أو مرضاً نفسياً عام 2024، أي نحو 970 مليون شخص من سكان الأرض يعانون مرضاً نفسياً أو عقلياً. ويمثل ذلك زيادة كبيرة عن الأعوام السابقة، مما يعني أن مشكلات الصحة النفسية أصبحت أكثر شيوعاً. وتشير المنظمة إلى أن الاكتئاب والقلق هما الأكثر شيوعاً بين الاضطرابات النفسية والعقلية.
وتعرف المنظمة "الاضطراب الاكتئابي" أو الاكتئاب بأنه اضطراب نفسي شائع، ينطوي على تكدّر المزاج، أو فقدان الاستمتاع، أو الاهتمام بالأنشطة فترات طويلة من الزمن. وهو يختلف عن التقلبات المزاجية المعتادة والانفعالات العابرة إزاء تحديات الحياة اليومية، إذ قد يؤثر في جميع جوانب الحياة، بما في ذلك العلاقات مع أفراد الأسرة والأصدقاء والمجتمع. ويمكن أن ينتج من مشكلات في المدرسة وفي العمل، أو أن يؤدي إليها.
وتوضح المنظمة أن أي شخص يمكن أن يتعرّض للاكتئاب، ولم تشر إلى علاقة بين درجة الإيمان وبين الإصابة بالاكتئاب، لكن أكدت أن الأشخاص الذين عانوا سوء المعاملة، أو الخسائر الفادحة أو غيرها من المواقف الصعبة أكثر عرضة للإصابة به، كما أن النساء أكثر تعرّضاً للإصابة به من الرجال.
وبحسب إحصاءات عام 2025، عانى نحو أربعة في المئة من سكان الأرض من الاكتئاب، أي نحو 332 مليون شخص، وعلى الصعيد العالمي، تعاني أكثر من 10 في المئة من النساء الحوامل واللاتي ولدن حديثاً الاكتئاب.
ولا يحصل على الرعاية الصحية النفسية اللازمة في الدول المرتفعة الدخل سوى ثلث المرضى، ويقل المعدل كثيراً في الدول المتوسطة والمنخفضة الدخل، وأبرز المعوقات التي تحول دون الحصول على الرعاية الفعّالة نقص الاستثمارات في رعاية الصحة النفسية، والنقص في أعداد مقدمي الرعاية الصحية المدربين، والوصم الاجتماعي المرتبط بالاضطرابات النفسية.
أمّا لماذا يحدث الاكتئاب؟ فهو، بحسب منظمة الصحة العالمية، نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الاجتماعية والنفسية والبيولوجية، والأشخاص الذين عاشوا تجارب سلبية مثل البطالة، أو فقدان شخص عزيز، أو الأحداث الصادمة، أكثر عرضة للإصابة. ويمكن للاكتئاب أن يؤدي إلى مزيد من التوتر، واختلال الأداء، وتدهور أوضاع الحياة للشخص المصاب، وإلى تفاقم الاكتئاب نفسه، أي إنه حلقة مفرغة في حال لم يتم التنبه للإصابة، والخضوع للعلاج الصحيح.
ويرتبط الاكتئاب ارتباطاً وثيقاً بالصحة البدنية، الكثير من العوامل التي تؤثر في الاكتئاب مثل الخمول البدني أو تعاطي الكحول على نحو ضار، تُعد أيضاً من عوامل الخطر المعروفة لأمراض مثل أمراض القلب والأوعية والسرطان والسكري وأمراض الجهاز التنفسي.
وفي المقابل، يمكن أيضاً أن يجد المصابون بهذه الأمراض أنفسهم مصابين بالاكتئاب بسبب الصعوبات المرتبطة بالتدبير العلاجي لحالاتهم، وتؤكد المنظمة أن للاكتئاب علاجات فعالة، تشمل العلاج النفسي والأدوية، بحسب حالة كل مريض، وتشخيص الطبيب.
وفي إقليم شرق المتوسط، الذي يضم غالبية الدول العربية، يأتي الاكتئاب ضمن الأسباب الـ10 الرئيسة لسنوات العمر المفقودة، ويتوقع أن يكون من بين الأسباب الثلاثة الأولى لسنوات العمر المفقودة بحلول عام 2030.
ويؤكد العلم والطب أن الاكتئاب إحدى الأولويات التي جرى تحديدها ضمن حزمة خدمات الصحة النفسية من أجل الدمج في الرعاية الصحية العامة في الاستراتيجية الإقليمية للصحة النفسية، وفي مبادرة منظمة الصحة العالمية لبرنامج عمل "فجوة الصحة النفسية".
والاكتئاب أحد العوامل المساعدة على للانتحار، التي تصيب بصورة خاصة المراهقين والنساء خلال سن الإنجاب. والأشخاص الذين يعانون حالات مزمنة، بما في ذلك الأمراض غير السارية والعجز، أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب. وبلغ عدد المنتحرين عام 2021 نحو 727 ألف شخص، ويعد الانتحار ثالث الأسباب الرئيسة للوفاة بين الأشخاص المتراوحة أعمارهم بين 15 و29 سنة.
ويظن أو يروّج البعض إلى أن الانتحار يحدث في الدول المرتفعة الدخل فقط، أو بمعدلات أكبر، إلا أن العكس هو الصحيح، إذ يحدث في كل دول العالم، بل إن 73 في المئة من حالات الانتحار عام 2021 حدثت في دول منخفضة ومتوسطة الدخل.
وتصنف المنظمة الانتحار باعتباره "من مشكلات الصحة العامة التي تقتضي استجابة في مجال الصحة العامة، لا سيما أنه يمكن الوقاية منها من خلال تدخلات آنية، معضدة بالبيانات، التي لا تتطلب عادة كلفة كبيرة.
هل يعاني المصريون نفسياً؟
من جهة أخرى، وعلى رغم قلة المسوح والبيانات المتاحة عن الصحة النفسية في مصر، فإن المسح القومي الأحدث (2018) كشف عن أن نحو 25 في المئة من المصريين يعانون مشكلات أو اضطرابات نفسية، وأن اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب والقلق تتصدر المشهد بنسبة تقارب نحو 44 في المئة من المصابين.
وتجدر الإشارة هنا إلى خطوة اعتبرها البعض موفقة وفي محلها، في حين وصفها آخرون بالكارثية والمأسوية، لا للفكرة نفسها، لكن لما تعكسه من مقدار المعرفة العلمية عن منظومة المرض النفسي، وارتباط جانب منه بالتخلص من الحياة، في عام 2022، تقدم نائب برلماني مصري بمقترح قانون لتحريم محاولات الانتحار، مقترحاً أن يجري إيداع من حاول الانتحار مصحة علاج نفسي، وفي حال تكراره المحاولة، يعاقب بدفع غرامة تتراوح قيمتها بين 10 و50 ألف جنيه مصري.
وقد أشارت دراسة نشرتها دورية "لانسيت" العلمية تحت عنوان "الوقاية من الانتحار في مصر" (2022) إلى أن صياغة قانون يجرّم الانتحار يأتي بنتائج عكسية، إذ يثني الناس عن طلب المساعدة، ويحول دون حصولهم على الرعاية النفسية التي يحتاجون إليها، وأشارت إلى الوصم المرتبط بالمنتحر، وهو ما يُسهم في عدم الإبلاغ عنه بالصورة الكافية، وهذا يعني أن الأرقام المعلنة، رغم شحتها، لا تعبر عن الواقع.
الدراسة أشارت إلى "زيادة مقلقة" في معدل الوفيات الناجمة عن الانتحار في مصر، وذلك استناداً إلى عدد الحالات المبلغ عنها رسمياً في عام 2019، والبالغ 2584 حالة، بمعدل ثلاث بين كل مئة ألف نسمة. يشار إلى أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن عدد الحالات في هذا العام كانت 3022 حالة، ويشار أيضاً إلى أن المتوسط العام يبلغ تسع حالات بين كل مئة ألف شخص، بحسب منظمة الصحة العالمية.
لغة الأرقام تخبرنا أن تقييم معدلات الانتحار، وترتيب الدول، وتصنيفها باعتبارها الأعلى أو الأدنى من حيث حالات الانتحار والإقدام عليه تختلف من دراسة إلى أخرى، ومن إحصاء إلى آخر، وبينها دراسات صادرة عن جهات أممية مثل البنك الدولي الذي يضع مصر ضمن أدنى معدلات الانتحار في العالم العربي، رغم وضعها على قمة الترتيب بحسب منظمة الصحة العالمية.
ومن تضارب الأرقام إلى الاتفاق على أن المرض النفسي لا يزال يعاني "وصمة عار" اجتماعياً، ويعضّدها الخطاب الديني بصورة غير مباشرة، مما يعني أن كثيراً ممن يفكّرون في وضع نهاية لحياتهم لن يسعوا إلى طلب المساعدة، لذا لن يحصلوا على المساعدة التي يحتاجون إليها، كما لم يتم التعامل بالصورة الكافية للوقاية من إنهاء الإنسان حياته، ولذلك "بسبب ضعف التوعية بالانتحار، بوصفه واحدة من أبرز مشكلات الصحة العامة، واعتبار الحديث عنه صراحةً من المحرمات في كثير من المجتمعات.
في مصر، وعلى رغم تحسن تدرجي طرأ على الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، وأمراضها الكثيرة غير المرئية، فإن الوصمة والكلفة المادية للعلاج والإصرار على الزج بـ"اتهام" ضعف الإيمان، تصارع من أجل البقاء.
الشخص الواحد تجده يقر بوجود مرض يصيب الإنسان اسمه المرض النفسي، ويقول إنه يعرف فلاناً الذي أصيب بالاكتئاب، وفلانة التي حاولت التخلص من حياتها. يبدي تعاطفاً، ويعكس تفهماً، لكنه يجب أن يذيل حديثه بثالوث يتلخص في: العلاج المكلف، الذي لا تقوى عليه غالبية الأسر، والوصمة التي أصابت أو ستصيب الأسرة حال عرف الأهل والأقارب والجيران أن أحد أفرادها مريض نفسي، مع نبرة تراوح ما بين اللوم والخسارة بأن فلاناً المريض لم يكن قريباً إلى الله بالقدر الكافي.
المتدين لا يمرض
خرافة المتدين لا يمرض لا تزال مهيمنة. وهي لا تظهر فقط في بيانات المؤسسات الدينية التي تحاول مسك عصا العلم والدين من المنتصف، حيث إقرار بأن العلم يؤكد وجود المرض النفسي، وأن بين المقدمين على الانتحار من يدفعهم إلى ذلك هو المرض النفسي من جهة، وإصرار على أن نيران المرض النفسي لا تصيب مؤمناً، وإن أصابته، فإن تدينه قادر على إنقاذه منها.
يقول كثير من رجال الدين إن الصبر والصلاة والصدقات والزكاة والرضا والدعاء كفيلة بتخفيف، إن لم يكن علاج، الاكتئاب والوقاية من الانتحار. وفي المقابل، فإن تجارب المكتئبين تؤكد ذلك حيناً، وتنفيه حيناً، وتقع في حيرة من أمرها دائماً.
وتعضد تلك الاختلافات والتناقضات دراسات علمية، توجد دراسات تؤكد وجود علاقة عكسية قوية بين التدين والاكتئاب، أي إن الأفراد الأكثر تديناً أقل عرضة للاكتئاب، والأقل تديناً أكثر عرضة.
دراسات أخرى تجد علاقة بين التدين واحتمالات الإصابة للاكتئاب، وثالثة وجدت علاقة بين شدة التدين والتعرض للاكتئاب بدرجة أعلى، وذلك لأسباب تراوح ما بين شعور البعض بالعزلة أو عدم القدرة على التمتع بالحياة أو الاختلاف عن الآخرين لفرط التدين.
ومنها ما أشار إلى وسواس قهري يصيب البعض من المتشددين دينياً، وذلك حين تتحوّل العبادات إلى طقوس قهرية.
دراسات أخرى أفادت بأن العلاقة بين التدين والاكتئاب لا يمكن إنكارها، لكنها يمكن أن تكون عكسية أو طردية، بحسب كيفية تفكير الناس في الجوانب الروحانية والدينية.
في مصر، بذلت الحكومة جهوداً على مدار العقد الماضي لسد الفجوات الكبيرة بين المعدلات المرتفعة للمرض النفسي، وصعوبة الوصول لخدمات الصحة والعلاج النفسي. بين خط ساخن لطلب الاستشارات النفسية، ومنصة وطنية لتقديم جلسات العلاج النفسي عن بعد، ومبادرة "صحتك سعادة" الرئاسية وغيرها، يثني البعض على الجهود، ويراها آخرون إما غير كافية أو "حبراً على ورق" أو كليهما.
بعد تخلص البلوغر بسنت سليمان من حياتها، أصدرت وزارة الصحة والسكان بياناً قالت فيه إن سلامة المواطنين النفسية ركيزة أساسية في أولويات الدولة، وأن دعم المواطنين نفسياً في صدارة الأولويات وركيزة أساسية من ركائز الصحة العامة، وأشار البيان إلى أن صحة الإنسان تشكّل سلامته الجسدية والنفسية والعاطفية معاً.
وحرص البيان على ذكر "المنظومة المتكاملة من الخدمات الوقائية والعلاجية، التي تركز على الاكتشاف المبكّر والتدخل السريع للحالات التي تعاني ضغوطاً نفسية حادة أو أفكار إيذاء النفس"، مع تفاصيل الخدمات والعيادات والعلاجات والخط الساخن، مشيراً إلى تلقي الخط الساخن في الربع الأول من عام 2026 نحو 8808 مكالمات، أسفرت عن تقديم 3874 استشارة نفسية، منها 252 حالة طارئة جرى التعامل معها فوراً وتوجيهها إلى المسار العلاجي المناسب.
رؤية وزارة الصحة والسكان تصب "نظرياً" في مصلحة الصحة النفسية والمصابين بأمراضها واضطراباتها، وهي في الوقت نفسه تقدم رؤية أكثر واقعية وعلمية، وتراعي العوامل الإنسانية غير المختلطة بإصدار الأحكام الدينية والإيمانية على المريض النفسي، وترويع المرضى عبر وصمهم بقلة الإيمان.
عملياً، تعاني أنظمة الرعاية الصحية حول العالم، بما فيها الدول الغنية والمتقدمة نقصاً مزمناً في تمويل الخدمات، لا سيما خدمات الصحة النفسية، وهو ما يخلق فجوات كبيرة في الوصول إلى العلاج وجودته، على رغم التوعية المتزايدة، ناهيك ببقاء هذا النوع من الخدمات الصحية المنخفضة الأولوية في أجندات صناع السياسات، وذلك بحسب منظمة الصحة العالمية، ومصر ليست استثناءً. وعلى رغم الجهود الجيدة التي تبذل لتحسين الخدمات النفسية المقدمة، فإن غالبية الموارد تخصص لعدد قليل من مستشفيات الطب النفسي المركزية الكبيرة، وعدد الأسرّة المتوفرة للمرضى النفسيين لا يزال غير كافٍ لتقديم الرعاية الإسعافية داخل المستشفى، لا سيما أن 60 في المئة من الأسرة يشغلها مرضى لمدد طويلة، بحسب معلومات مكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي لشرق البحر المتوسط (إمرو).
كما تعاني المنظومة الطبية نقصاً في أعداد الأطباء والمتخصصين النفسيين، مقارنة بالمعايير الدولية، وعلى رغم تقديم بعض الخدمات مجاناً عبر منصات وخطوط ساخنة، إلا أن كلفة العلاج النفسي تظل مرتفعة جداً بالنسبة إلى غالبية الفئات، لا سيما في ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=145&id=205366