وقود مرتفع وأعباء أثقل... السوريون أمام موجة غلاء جديدة
10/05/2026





الحكومة ترفع أسعار المحروقات حتى 30% وسط قدرة شرائية متدنية لدى الأسر

 

الشركة السورية للبترول برّرَت القرار بـ"المتغيرات الإقليمية" وما فرضته من ضغوط على قطاع الطاقة

لم يخفت صراخ السوريين احتجاجاً على رفع أسعار الكهرباء التي التهمت جيوبهم، حتى فوجئوا برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت ما بين 17 و30 في المئة.

ووصل سعر ليتر بنزين "أوكتان 90" إلى 1.1 دولار، وسعر البنزين "أوكتان 95" إلى 1.15 دولار، وسعر ليتر المازوت "أول" إلى 0.88 دولار، في حين ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.5 دولاراً بزيادة تقارب 19 في المئة.

وحذر خبراء سوريون من أن هذه الارتفاعات ستتسبب في خلل في العملية الإنتاجية، وارتفاع كلفتها، وتلبك وركود في الأسواق، إضافة إلى زيادة أجور النقل، وهو ما سينجم عنه موجة غلاء جديدة في بلد يعاني شعبه الفقر وانخفاض الدخل، في وقت يعيش فيه 81 في المئة من الشباب حال بطالة، وفقد مئات الآلاف أعمالهم ومصادر دخلهم، بينما تعجز الرواتب والأجور وحتى الحوالات الخارجية عن تغطية نفقات الأسرة التي تحتاج، قبل رفع أسعار المحروقات، إلى نحو 1000 دولار كحد أدنى لتأمين الغذاء والتنقل فقط.

وجاء قرار رفع أسعار المحروقات بطريقة غير مألوفة ومرتبكة، إذ استيقظ السوريون صباح الخميس السابع من مايو (أيار) الجاري على منشور نشرته الشركة السورية للبترول على "فيسبوك" أعلنت فيه رفع الأسعار، وما إن بدأ الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي حتى حُذف المنشور، من دون أن يرافق ذلك إلغاء القرار.

إدارة استدامة الخدمة وضمان استمرارية التوريد

أوضحت الشركة السورية للبترول أن الإجراءات الحالية، أي رفع أسعار المحروقات، تأتي ضمن إدارة استدامة الخدمة وضمان استمرارية التوريد في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المؤثرة على قطاع الطاقة، بما يحقق التوازن بين استمرارية الخدمة واستقرارها.

وأضافت الشركة في بيان رسمي أن تعديل أسعار المشتقات النفطية يأتي في ضوء الارتفاعات العالمية المتواصلة في أسعار النفط، وكلفة التوريد والشحن، إلى جانب التداعيات المرتبطة بالظروف الإقليمية الراهنة وما فرضته من ضغوط إضافية على قطاع الطاقة.

وأشارت إلى أنه خلال الفترة الماضية جرى الحفاظ على استقرار الأسعار على رغم ارتفاع الكلفة الفعلية، في إطار الحرص على امتصاص انعكاسات المتغيرات العالمية قدر الإمكان، وضمان استمرار توفر المشتقات النفطية والخدمات المرتبطة بها.

كان يكفي 10% زيادة؟

قال الكاتب السوري المتخصص في قطاع النفط معد عيسى إن أحداً لا ينكر ارتفاع أسعار النفط عالمياً، أو ينكر حق الشركة السورية للبترول في السعي نحو الربح وتجنب الخسارة، فمن حقها رفع الأسعار لتستمر في تلبية الطلب وتحقيق هامش ربح يدعم الخزينة والمشاريع، لكن بشرط أن يكون ذلك وفق منطق اقتصادي واضح.

وأوضح أن سعر البنزين وفقاً لسعر النفط الحالي (95 – 110 دولارات للبرميل) يراوح ما بين 70 و95 سنتاً، يضاف إليه كامل الكلفة من رسوم ونقل وجمارك وربح، مشيراً إلى أنه في حال وجود خسائر فهي محدودة جداً، وربما لم تكن خسارة حقيقية في غالب الفترة الممتدة من فبراير (شباط) إلى مايو، بل ربما حققت الشركة أرباحاً في فترات سابقة. وأضاف أنه كان بالإمكان رفع أسعار البنزين بنسبة 10 في المئة فقط لتعويض خسائر تبلغ 23 مليون دولار، إذ إن استهلاك البنزين اليومي يراوح ما بين 6.5 و7 ملايين ليتر، مما يعني أن رفع السعر بنسبة 10 في المئة يحقق عائداً شهرياً يقارب 23.4 مليون دولار، وهو ما يغطي حجم الدعم المعلن تقريباً، في حين أن الزيادة الفعلية بلغت نحو 29 في المئة بزيادة تقارب 19 في المئة إضافية، والأمر نفسه ينطبق على المازوت الذي يتجاوز استهلاكه البنزين ويصل إلى 7.5 مليون ليتر يومياً.

وتساءل عن مبررات وزارة الطاقة لرفع الأسعار بهذه النسبة في وقت كان يُنتظر فيه خفضها مع تحسن الإنتاج المحلي الذي يغطي نحو 40 في المئة من الاستهلاك، إضافة إلى عوائد تدفق النفط العراقي.

وأضاف المتخصص أنه حتى في حال عدم وجود إنتاج محلي، فإن الأسعار العالمية وفق نشرة "بلاتس" أقل من الأسعار المعلنة، مع الإشارة إلى أن الاختلاف بين الدول يكون في الرسوم والضرائب لا في سعر النفط الخام نفسه.

آثار مباشرة على معيشة السوريين والأمن الغذائي

حذر اقتصاديون سوريون من تبعات رفع أسعار المحروقات، خاصة وأنها جاءت بنسبة وصلت حتى 30 في المئة، إذ قال المتخصص الاقتصادي عمار يوسف إن توقيت القرار حرج، وكان بالإمكان التريث في اتخاذه، خصوصاً مع تحسن الإنتاج المحلي وفق التصريحات الرسمية، واستمرار مرور النفط العراقي عبر البلاد، إضافة إلى استمرار الاستيراد المنتظم من روسيا من دون المرور عبر مضيق هرمز. وأضاف أن القرار سيزيد من الضغط المعيشي على السوريين، ويدفعهم إلى مزيد من التقشف، واصفاً القرار بأنه ذو طابع ربحي، ومبدياً استغرابه من غياب البعد الاجتماعي في القرارات الحكومية، في بلد يعيش فيه أكثر من 90 في المئة من السكان تحت خط الفقر أو عنده.

وحذر يوسف من دخول الأسواق في حال ركود تضخمي، وتراجع الاستهلاك، مما يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، إضافة إلى تأثيرات بيئية سلبية مثل التوسع غير المنظم والضغط على الموارد. وأشار يوسف إلى أن كلفة الإنتاج الزراعي سترتفع بين 10 و18 في المئة، ما سينعكس على أسعار الخضار والفواكه والحبوب، كما سترتفع أسعار الخدمات الغذائية بنسبة 12 إلى 20 في المئة، بينما سيؤدي ارتفاع الغاز الصناعي إلى زيادة كلفة الإنتاج الغذائي. وأوضح أن ارتفاع البنزين والمازوت سيرفع كلفة تشغيل المصانع بين 15 و25 في المئة، وكلفة النقل الداخلي بين 20 و30 في المئة.

وتساءل يوسف عن مدى دراسة الحكومة لتأثير القرار على الأمن الغذائي، خصوصاً مع اقتراب موسم حصاد القمح الذي يحتاج إلى كميات كبيرة من المازوت، إضافة إلى تأثيره على قطاع النقل والأسواق والمعيشة، مؤكداً أن الأسرة السورية باتت تحتاج إلى نحو 1500 دولار لتأمين الغذاء والتنقل فقط باستخدام النقل العام.

رفع أسعار المحروقات مبرر في هذا التوقيت

من جهته رأى المتخصص الاقتصادي معن يوسف أن رفع أسعار المحروقات مبرر في هذا التوقيت، باعتباره استجابة لارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة التوترات في مضيق هرمز والظروف الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أنه لا يمكن الاستمرار في دعم المحروقات دون النظر إلى هشاشة الاقتصاد السوري والفجوات التمويلية والإنتاجية. وأوضح أن سوريا تستورد النفط وتتحمل كلفة مرتفعة للشحن والتأمين في ظل اضطراب سلاسل التوريد، مما يجعل إعادة تسعير المحروقات أمراً ضرورياً لمواكبة الواقع العالمي.

 

219 مليون دولار خسائر شهرية

تكشف بيانات رسمية نقلتها وسائل إعلام سورية أن خزينة الدولة تتكبد خسائر شهرية تتجاوز 219 مليون دولار نتيجة دعم المشتقات النفطية، موزعة على 135 مليون دولار للمازوت، و51 مليون دولار للفيول، و23 مليون دولار للبنزين، و10 ملايين دولار للغاز، في وقت تعاني فيه البلاد أزمة توريد ونقص في التكرير المحلي.

ويأتي ذلك في ظل مشكلات كبيرة تواجه آبار النفط في منطقة الجزيرة بعد تسلمها من "قسد"، وما تعرضت له من تدهور نتيجة الاستخراج البدائي، مما يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة التأهيل، وسط تقديرات بأن سوريا تحتاج إلى عامين في الأقل للوصول إلى إنتاج يغطي احتياجاتها.

تطلعات لرفع الإنتاج إلى 200 ألف برميل

يشير خبراء إلى إمكان رفع إنتاج النفط السوري من 90 ألف برميل يومياً إلى 200 ألف خلال عامين، وربما بنهاية العام الحالي، إضافة إلى مضاعفة إنتاج الغاز.

وكان إنتاج سوريا بلغ نحو 400 ألف برميل يومياً بين عامي 2008 و2010، قبل أن يتراجع بشدة خلال الحرب ليصل إلى 15 ألف برميل يومياً في 2015، ثم أقل من 30 ألف برميل يومياً في 2023.

وتقدر الدراسات أن الاحتياطات النفطية السورية بنحو 27 مليار برميل من النفط و678 مليار متر مكعب من الغاز، من دون احتساب الاحتياطات البحرية

اندبندنت عربية



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=205587

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc