التوتر يتصاعد بين أوروبا والصين وحرب تجارية في الأفق
03/06/2026
سيرياستيبس
تتصاعد المخاوف الأوروبية من تنامي النفوذ الصناعي الصيني مع تدفق السلع والسيارات الكهربائية الصينية الرخيصة إلى الأسواق الأوروبية، مما يهدد قطاعات صناعية رئيسة خصوصاً في ألمانيا.
تتجه أوروبا تدريجاً نحو مواجهة تجارية أكثر حدة مع الصين مع تصاعد القلق داخل الاتحاد الأوروبي من التدفق المتزايد للسلع الصينية الرخيصة وما يمثله ذلك من تهديد مباشر للصناعة الأوروبية، خصوصاً في قطاعات السيارات والكيماويات والتكنولوجيا الخضراء.
وفي مؤشر إلى تصاعد التوتر شبهت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس اعتماد أوروبا على الصين بمرض يحتاج إلى "علاج كيماوي"، محذرة من أن التخلص من هذا الاعتماد سيكون مؤلماً، لكنه ضروري.
وتعكس تصريحات كالاس التي تتولى منصب الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، تحولاً واضحاً في لهجة بروكسل تجاه بكين التي تعد ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة.
ومع تبني الصين سياسات تجارية أكثر هجومية وارتفاع الواردات الصينية إلى أوروبا بصورة حادة يشعر القادة الأوروبيون والشركات الأوروبية بقلق متزايد من الاعتماد على المنتجات الصينية في وقت تتوسع فيه الهيمنة الصناعية الصينية بسرعة كبيرة.
وقال مدير مركز "بروغل" للأبحاث الاقتصادية في بروكسل جيرومين زيتلماير إن الأجواء داخل أوروبا باتت أقرب إلى "حال ذعر" مع تنامي المخاوف من انهيار وشيك لبعض الصناعات الأوروبية. وأضاف أن هناك شعوراً متزايداً بالخطر على مستقبل القاعدة الصناعية الأوروبية، بخاصة مع عجز الشركات المحلية عن منافسة المنتجات الصينية منخفضة الكلفة.
وفي المقابل تواجه المخاوف الأوروبية ردود فعل غاضبة من الصين، إذ حذر مسؤولون صينيون من أن بكين سترد على أي إجراءات حمائية قد يفرضها الاتحاد الأوروبي.
تشدد أوروبي للحد من النفوذ الصناعي للصين
من المتوقع أن يتصاعد هذا التوتر خلال الأسابيع المقبلة مع استعداد قادة العالم لمناقشة الاختلالات الاقتصادية العالمية خلال قمة "مجموعة السبع" في مدينة إيفيان الفرنسية الشهر المقبل، على أن تكون الصين أيضاً محوراً رئيساً لاجتماع قادة الاتحاد الأوروبي بعد ذلك بفترة قصيرة.
ينتظر أن يناقش الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي سياسات جديدة تجاه الصين قد تمهد لاتخاذ خطوات أكثر تشدداً للحد من النفوذ الصناعي الصيني في أوروبا.
وعلى رغم استمرار المسؤولين الأوروبيين في التعبير عن رغبتهم بالتوصل إلى حلول تعاونية مع الصين لمعالجة الاختلالات التجارية، فإن بروكسل تدرس أيضاً فرض إجراءات صناعية وتجارية أكثر قوة للحد من توسع الصين في القطاعات الحساسة.
لكن تقليص الاعتماد على الصين يبدو مهمة شديدة التعقيد بالنسبة إلى أوروبا في ظل مخاوف السياسيين والشركات من ردود انتقامية صينية، إضافة إلى اعتماد المستهلك الأوروبي المتزايد على السلع الصينية الأرخص سعراً، خصوصاً السيارات الكهربائية.
ولا تزال أوروبا تواجه صعوبة في الحد من تدفق السيارات الكهربائية الصينية على رغم الرسوم والإجراءات التي حاول الاتحاد الأوروبي فرضها سابقاً.
وقالت الباحثة في معهد "ميركاتور للدراسات الصينية" في بروكسل ريبيكا أرساتي لصحيفة "نيويورك تايمز"، إن القادة الأوروبيين يواجهون ضغوطاً سياسية وانتخابية تجعل من الصعب عليهم التصدي للتدفقات التجارية الصينية، بخاصة إذا ردت بكين بإجراءات مضادة. وأضافت أن الأنظمة السياسية والاقتصادية الأوروبية لم تصمم أصلاً للتعامل مع تحد بحجم الصعود الصناعي الصيني الحالي.
مستويات قياسية للفائض التجاري الصيني
خلال الأعوام الأخيرة اعتمدت الصين على دعم حكومي واسع وبرامج صناعية عززت قدرات مصانعها وشركاتها، بخاصة بعد أزمة القطاع العقاري التي دفعت بكين إلى البحث عن محركات جديدة للنمو الاقتصادي.
وأسهمت الرسوم الأميركية على السلع الصينية في دفع الشركات الصينية إلى تكثيف صادراتها نحو أسواق بديلة مثل أوروبا.
وخلال الربع الأول من العام الحالي ارتفعت الواردات الصينية إلى أوروبا بصورة كبيرة، فيما أظهرت بيانات جمركية أن الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي سجل مستويات قياسية جديدة مع تدفق السيارات الكهربائية الصينية إلى الأسواق الأوروبية.
وجاء هذا الارتفاع في وقت تواجه فيه شركات السيارات الصينية تباطؤاً في الطلب المحلي داخل الصين، مما دفعها إلى التوسع بقوة داخل أوروبا، تزامناً مع تزايد توجه المستهلكين الأوروبيين نحو السيارات الكهربائية بسبب ارتفاع أسعار الوقود الناتج من الحرب في الشرق الأوسط.
وكان الاتحاد الأوروبي سجل عجزاً تجارياً مع الصين بلغ نحو 418 مليار دولار خلال عام 2025.
وبات هذا الوضع يشكل تهديداً متزايداً للصناعات الأوروبية والعاملين فيها، خصوصاً في ألمانيا التي تعتمد تقليدياً على صناعات السيارات والكيماويات، لكنها تجد نفسها حالياً عاجزة عن مجاراة المنافسة الصينية.
ومع تصاعد هذه المخاوف بدأت أوروبا تتجه نحو خطاب أكثر حدة وأفكار أكثر جرأة لحماية صناعاتها وسط تزايد الحديث عن ضرورة إعادة رسم العلاقة الاقتصادية مع الصين قبل أن تصبح الهيمنة الصناعية الصينية أمراً يصعب احتواؤه.
رسالة الصين لأوروبا "لا تختبرونا"
من جانبه دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المعروف منذ فترة بانتقاداته للصين الاتحاد الأوروبي إلى تبني إجراءات لحماية الصناعات الاستراتيجية على غرار السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة وتستخدمها لدعم قطاعاتها الحيوية.
من جانبه قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي ينظر إليه غالباً باعتباره من أكثر القادة الأوروبيين انفتاحاً على بكين خلال زيارة حديثة إلى الصين إن القارة تحتاج إلى أن "تنفتح الصين أكثر حتى لا تضطر أوروبا إلى إغلاق نفسها".
وانضمت إسبانيا في المرحلة الأولى في الأقل إلى فرنسا وإيطاليا وليتوانيا وهولندا في إعداد وثيقة تحث الاتحاد الأوروبي على الرد بقوة عبر أدوات تجارية جديدة. وعلى رغم أن الوثيقة لم تذكر الصين بالاسم، فإنها انتقدت شركاء تجاريين يعانون "فائضاً صناعياً ممنهجاً وهيكلياً".
وقال الاقتصادي في مجلس العلاقات الخارجية براد سيتسر إن كثيراً من القادة الأوروبيين يتعاملون بحذر مع الصين خوفاً من ردود انتقامية، لكنه أضاف أن المخاوف من خسارة الوظائف والقدرات الصناعية قد تصبح أكبر من هذا القلق، بما في ذلك في ألمانيا.
وفي أبريل (نيسان) الماضي كشفت بكين عن قواعد تمنح السلطات صلاحيات واسعة لفحص سجلات الشركات واستجواب الموظفين، بل وحتى منع المديرين التنفيذيين من مغادرة الصين إذا اعتبرت أنهم يساعدون في نقل سلاسل التوريد إلى خارج البلاد.
ووفق تقييم حديث أجرته غرفة التجارة الأوروبية في الصين فإن هذه الخطوة "قد تلحق مستوى غير مسبوق من الضرر بالاقتصاد الأوروبي".
ويرى المتخصص في العلاقات الأوروبية - الصينية لدى شركة الأبحاث "روديوم غروب" نوح باركين أن بكين تشعر بأن الجبهة الغربية ضد سياساتها التجارية أصبحت أقل تماسكاً مع تصاعد الخلافات بين واشنطن وبروكسل. وأضاف باركين أن الرسالة الصينية إلى أوروبا مفادها "حليفكم الأقرب لم يعد كما كان، وحتى الأميركيون يسعون إلى الاستقرار معنا، لذلك لا تختبرونا".
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=128&id=205876