
في سنتها الجامعية الثانية، اضطرّت مريم إلى ترك
دراستها تحت ضغط الظروف المعيشية التي تعيشها أسرتها، لتتحوّل إلى عاملة في
مصنع للمنظفات على أطراف جرمانا. تقول الفتاة، في حديثها إلى «الأخبار»،
إنها كانت تحلم بأن تصبح مدرّسة لمادة الجغرافيا، إلا أن هذا الطموح اصطدم
بالضغوط المعيشية خلال السنوات الأخيرة؛ فوالدها موظف في إحدى الجهات
العامة، ولديها ثلاثة أشقاء لا يزالون في مرحلة ما قبل الثانوية، ولذا فهي
ترى أن الأولوية «يجب أن تكون لهم، على الأقلّ حتى إكمال المرحلة
الثانوية».
أما علاء، فلم تسعفه الظروف حتى لنيل شهادة التعليم الأساسي؛
إذ ترك المدرسة طفلاً في الصف الخامس، ليلتحق بمحل لتصليح السيارات في
منطقة حوش بوس القريبة من دمشق. ويختصر علاء سبب انقطاعه عن الدراسة،
بكلمات مقتضبة، قائلاً: «ليس هناك من يصرف عليّ وعلى أخواتي بعد وفاة
والدي».
على أن مريم وعلاء ليسا استثناءً، بل
هما نموذج لجيل كامل من السوريين أصابته المأساة خلال سنوات الحرب؛ وهي
مأساة لا تزال مستمرّة رغم التحول السياسي الذي شهدته البلاد أواخر عام
2024. إذ خسر الكثير من الأطفال والشباب حقّهم في التعليم بعدما اضطرّوا
إلى دخول سوق العمل مبكراً، في ظلّ عجز أسرهم عن تحمّل نفقات الدراسة،
الأمر الذي رفع نسبة التسرّب المدرسي في المرحلتَين الأساسية والثانوية إلى
نحو 30%، وفق تقديرات بحثية مستقلة. كذلك، ارتفعت نسبة الأطفال في سوق
العمل إلى نحو 7.3% من إجمالي العاملين عام 2023، بحسب بيانات حكومية.
أمّا
من نجوا من «مقصلة» التسرّب بسبب الفقر، فاضطروا للذهاب إلى مدارسهم بلا
طعام، أو بملابس لا تقيهم برد الشتاء، وأحياناً بلا حقائب أو دفاتر. ولعلّ
نتائج مسح الحال التغذوية لتلاميذ الحلقة الأولى من التعليم الأساسي، الذي
نُفّذ قبل نحو عامَين، تؤشّر إلى خطورة الأزمة الغذائية التي تطاول شريحة
واسعة من أطفال سوريا؛ إذ أظهرت تلك النتائج أن نحو 9.2% من التلاميذ كانوا
يعانون من التقزّم، و3.3% من الهزال، ونحو 18.5% من زيادة الوزن، في حين
بلغ معدّل انتشار فقر الدم بين التلاميذ نحو 17.9%.
على أن ما عجزت
الأرقام والإحصاءات عن إظهاره، تكفّلت به قصص إنسانية مؤثّرة شاعت أخبارها
في المدارس خلال السنوات الأخيرة، ومفاد بعضها قيام المعلّمات بحمل أرغفة
خبز وكمية من الزيت والزعتر يومياً معهنّ إلى مدارسهن، وذلك لإعداد
سندويشات سريعة لتلاميذ لا تسمح الظروف المعيشية لأسرهم بتأمين وجبات
مدرسية لهم. وإلى جانب ما تقدّم، عمدت بعض الجمعيات الخيرية، بالتنسيق مع
منظّمات أممية، إلى توزيع حصص غذائية مجانية على التلاميذ، في محاولة منها
لتشجيع الأسر على إبقاء أبنائها في المدارس.
وكان لهذا الدعم أثره
الملموس؛ إذ طبقاً لما خلص إليه «مسح الأمن الغذائي الأسري» لعام 2025، فإن
الأسر التي استفادت من برامج التغذية المدرسية حقّقت أفضل مستويات الأمن
الغذائي مقارنة بتلك التي تلقت أشكالاً أخرى من المساعدات الغذائية. إذ
بلغت نسبة العائلات الآمنة غذائياً بينها 25.6%، فيما سجلت العائلات الآمنة
غذائياً ولكن بشكل هش 59.7%، مقابل 14.7% لمَن تعاني من انعدام متوسط في
الأمن الغذائي.
يزداد الوضع قسوة في المحافظات التي تعاني أساساً من ارتفاع معدلات التسرب المدرسي والبطالة والفقر
أمّا
حول أثر التحاق أفراد الأسرة بالتعليم على مستوى أمنها الغذائي -وهو
الأهم- فإن المسح المذكور يوضح وجود تناسب عكسي بين عدد الأولاد الملتحقين
بالتعليم وبين مستويات الأمن الغذائي لأسرهم. فالنتائج خلصت إلى أن الأسر
تضطر إلى تخفيض الإنفاق على الغذاء لتوفير متطلّبات التعليم، فتكون النتيجة
مزيداً من الحرمان وتراجع الحال التغذوية. ووفق نتائج المسح، كانت الأسر
التي لديها طفل واحد ملتحق بالتعليم الأساسي، الأفضل من حيث تحقيق الأمن
الغذائي؛ إذ بلغت النسبة الآمنة غذائياً منها نحو 19.5%، مقابل 1% نسبة
العائلات من الفئة نفسها التي تعاني انعداماً غذائياً شديداً.
توضح هذه
النتائج أنه كلّما ارتفع عدد الأطفال الملتحقين بالتعليم الأساسي، تراجعت
نسبة الأسر الآمنة غذائياً، وارتفعت نسبة تلك التي تعاني هشاشة في أمنها
الغذائي أو انعداماً متوسطاً أو شديداً فيه. وعلى سبيل المثال، توزعت أوضاع
العائلات التي لديها ثلاثة أطفال في المدارس على النحو الآتي: 14.1% أسر
آمنة غذائياً، و51% آمنة بشكل هش، فيما بلغت نسبة مَن تعاني منها انعداماً
متوسطاً أو شديداً في أمنها الغذائي 34.9%.
لا
يقتصر الأمر على التعليم وحده، إذ تتأثر فئات الإنفاق غير الغذائية، من
الصحة إلى النقل والاتصالات وغيرها، هي الأخرى، تبعاً لحصة الغذاء من إنفاق
الأسر، والتي تجاوزت خلال سنوات الحرب نحو 75%، قبل أن يُظهر «مسح الأمن
الغذائي الأسري» للعام الماضي تراجعها إلى نحو 52%. إلا أن هذه النسبة
تختلف من أسرة إلى أخرى بحسب مستوى أمنها الغذائي؛ إذ ترتفع لدى الأسر التي
تعاني من انعدام متوسط أو شديد في الأمن الغذائي، وتنخفض لدى تلك الآمنة
غذائياً.
وممّا يثير القلق في هذا السياق، هو أن استمرار تدهور الأوضاع
الاقتصادية والمعيشية، بالتوازي مع الاتجاه إلى رفع تكاليف التعليم العام،
سيؤدّيان إلى تفاقم مشكلات التعليم، بدءاً من ظاهرة التسرّب في مختلف
المراحل، وصولاً إلى سوء الحال التغذوية للطلاب. فمثلاً في الثامن من كانون
الأول 2024، حرّرت حكومة تصريف الأعمال أسعار جميع المشتقات النفطية، بما
فيها تلك المخصّصة لقطاع النقل، ليرتفع سعر ليتر مازوت النقل من نحو ألفي
ليرة إلى أكثر من 10 آلاف ليرة، أي بزيادة تجاوزت أربعة أضعاف. ولم تتمكّن
إلا قلة من الأسر من تحمّل هذه الزيادة، ولا سيما في ما يتعلّق بتغطية
تكاليف انتقال أبنائها إلى المدارس والجامعات، فيما اضطرّت غالبيتها إلى
اتخاذ خيارات مؤلمة، أقلّها سير التلاميذ والطلاب لمسافات طويلة، أو نقلهم
إلى مدارس أقرب، أو تناوب الأشقاء على الدوام الجامعي، وغيرها من الحلول
القسرية.
ويزداد الوضع قسوة في المحافظات التي تعاني أساساً ارتفاع
معدّلات التسرب المدرسي والبطالة والفقر، إلى جانب التراجع الكبير في مستوى
الخدمات التعليمية وجودتها، وهو ما يجعل تلك المحافظات في حاجة إلى سنوات
طويلة من الجهد التنموي للوصول إلى مستويات مقبولة من المؤشرات التعليمية
الاخبار
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=127&id=206310