هل ما يحدث في وادي السيليكون إنذار لبقية العالم؟
06/07/2026





سيرياستيبس 

 تشهد شركات التكنولوجيا الكبرى في وادي السيليكون موجة واسعة من تسريحات الموظفين، في ظل تبني متسارع للذكاء الاصطناعي، وإعادة هيكلة تهدف لرفع الإنتاجية من طريق خفض العمالة.
كثيراً ما كان العمل في شركات التكنولوجيا العملاقة في وادي السيليكون، مثل "ميتا" و"غوغل" و"أمازون"، حلماً يراود آلاف الخريجين والمهنيين الطامحين على مدى أكثر من عقد، بفضل الرواتب المرتفعة، والمزايا السخية، وفرص التطور المهني التي جعلت هذه الشركات الوجهة الأكثر جذباً للكفاءات حول العالم.

ومع تراجع جاذبية العمل في "وول ستريت" عقب الأزمة المالية العالمية، وزيادة الإقبال على قطاع التكنولوجيا، خصوصاً بعد الطرح العام الأولي لشركة "فيسبوك" عام 2011، والذي حوّل عدداً كبيراً من موظفيها إلى مليونيرات، توافدت أعداد كبيرة من الخريجين إلى وادي السيليكون بحثاً عن مستقبل مهني واعد، وساعدت الأرباح الضخمة التي حققتها شركات التكنولوجيا في تقديم رواتب ابتدائية تتجاوز مئات آلاف الدولارات سنوياً، في بعض التخصصات، فيما بدا الاستقرار الوظيفي داخل أكبر شركات العالم أمراً شبه مضمون.
لكن هذه الصورة بدأت تتبدل جذرياً، فعلى رغم استمرار الأرباح عند مستويات قياسية، شرعت شركات التكنولوجيا الكبرى في تنفيذ موجات واسعة من تسريح الموظفين، منهية بذلك أكثر من عقد من التوسع المستمر في التوظيف، ويعكس ذلك ما كتبه أحد موظفي شركة "ميتا" على منصة "بليند" التي يستخدمها العاملون في قطاع التكنولوجيا لتبادل الآراء بصورة مجهولة، قائلاً "لم يعد أحد في مأمن، والمعنويات في الحضيض."
ووفقاً لبيانات شركة "تشالنجر غراي آند كريسماس" الاستشارية، أعلنت شركات التكنولوجيا الأميركية إلغاء 38242 وظيفة خلال مايو (أيار) الماضي وحده، وهو أكبر خفض شهري في أعداد العاملين بالقطاع خلال العامين الماضيين، وكذلك أعلنت شركات التكنولوجيا الكبرى، ومن بينها "أمازون" و"مايكروسوفت" و"ميتا" و"أوراكل"، جولات واسعة من تسريح الموظفين خلال الأشهر الأخيرة، في إطار إعادة هيكلة تهدف إلى خفض الكلفة وتوجيه مزيد من الاستثمارات نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ولم يقتصر التباطؤ على الشركات التي أعلنت تسريحات كبيرة، إذ شهدت شركات أخرى تباطؤاً ملاحظاً في وتيرة التوظيف، في مؤشر إلى تحول أوسع في سياسة التوسع التي هيمنت على القطاع لأعوام، ووفقاً لبيانات شركة "إندرز أناليسيس"، فقد ظل إجمال عدد الموظفين في أكبر خمس شركات تكنولوجيا في العالم، وهي "آبل" و"ميتا" و"غوغل" و"مايكروسوفت" و"أمازون"، مستقراً إلى حد كبير منذ عام 2022، بما يعكس نهاية مرحلة النمو السريع في التوظيف التي ميزت العقد الماضي.
عدم اليقين تجاه مستقبل الوظائف
وفي حين أدت حال عدم اليقين المتزايدة في شأن مستقبل الوظائف إلى خلق أجواء من القلق داخل شركات التكنولوجيا، حيث بات الموظفون يشعرون بأن وظائفهم لم تعد آمنة كما في السابق، فقد كتب أحد العاملين على منصة "بلند" أن "عمليات التسريح خلقت بيئة يسودها الخوف، وبسبب ذلك أصبح الجميع يعملون فوق طاقتهم لإثبات جدارتهم".
وقبل أعوام قليلة كانت منصة "بليند" تعج بمنشورات الموظفين الباحثين عن فرص عمل أفضل، أو المتباهين برواتبهم ومزاياهم السخية، أما اليوم فقد أصبحت تعكس واقعاً مختلفاً، إذ امتلأت بقصص الإحباط والخوف من فقدان الوظيفة، وتراجع الثقة بالمستقبل المهني، ولم تغب هذه الحال عن إدارات الشركات نفسها، إذ أقر كبير مسؤولي التكنولوجيا في "ميتا" أندرو بوزورث، وفقاً لصحيفة "تلغراف"، بأن معنويات الموظفين أصبحت "ربما الأسوأ على الإطلاق"، في اعتراف يعكس حجم الضغوط التي يعيشها العاملون في القطاع.
ولا تعود هذه التسريحات لتراجع حاد في أداء الشركات أو انخفاض أرباحها، بل تأتي ومعظم شركات التكنولوجيا تحقق نتائج مالية قوية، ويرى مراقبون أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أبرز المحركات وراء إعادة هيكلة القوى العاملة، مع سعي الشركات إلى إنجاز مزيد من الأعمال بعدد أقل من الموظفين، وفي الوقت نفسه إثبات جدوى الاستثمارات الضخمة التي تضخها في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق أعلنت شركة "أوراكل" أنها ألغت نحو 21 ألف وظيفة العام الماضي، مؤكدة أن تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف عملياتها أدى وسيؤدي إلى تقليص حجم القوى العاملة، وأيضاً خفضت شركة "بلوك"، المتخصصة في المدفوعات الرقمية والتي يقودها المؤسس المشارك لـ "X" جاك دورسي، نحو 40 في المئة من موظفيها في فبراير (شباط) الماضي، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي "غيّر مفهوم بناء الشركات وإدارتها"، ووفقاً لشركة "تشالنجر غراي آند كريسماس" الاستشارية، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم السبب الأكثر شيوعاً الذي تعلنه الشركات عند تبرير قرارات تسريح الموظفين، في تحول يعكس انتقال التقنية من كونها أداة لتحسين الإنتاجية إلى عامل رئيس في إعادة رسم خريطة الوظائف داخل قطاع التكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي ومعدلات البطالة
أما الموظفون الذين احتفظوا بوظائفهم، فيواجهون ضغوطاً متزايدة لإثبات قدرتهم على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم اليومية ورفع إنتاجيتهم، ويقول أحد العاملين في القطاع للصحيفة إن "كل صاحب عمل يطلب منا إنجاز خمسة أيام من العمل خلال يومين أو ثلاثة وحسب"، وهو ما يعكس واقعاً جديداً لم يعد فيه استخدام الذكاء الاصطناعي ميزة إضافية، بل أصبح شرطاً للحفاظ على الوظيفة.
ويثير هذا التحول تساؤلاً أوسع حول ما إذا كان ما يحدث في وادي السيليكون مؤشراً لما قد تشهده أسواق العمل في بقية القطاعات والاقتصادات؟ فيرى اقتصاديون أن الذكاء الاصطناعي لم يترك حتى الآن أثراً ملموساً في معدلات البطالة، أو في سوق العمل بصورة عامة، إذ اقتصرت تأثيراته في معظم الحالات على أتمتة مهمات محددة بدلاً من الاستغناء الكامل عن الوظائف، لكنهم لا يستبعدون أن يتغير هذا الواقع مع اتساع استخدام التقنية وتطور قدراتها، بينما يشير مراقبون إلى أن قطاع التكنولوجيا قد يكون حالاً خاصة، إذ تمتلك شركات مثل "أمازون" و"مايكروسوفت" و"ميتا" مصلحة مباشرة في إثبات أن استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي تحقق مكاسب حقيقية في الإنتاجية، مما يدفعها إلى تطبيق هذه التقنيات بوتيرة أسرع من بقية القطاعات.
وفي هذا السياق أوضح محللو شركة "إندرز أناليسيس" أن إثبات قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق قفزة في الإنتاجية يمثل أحد أهم مبررات الاستثمار فيه، ولذلك أصبحت إعادة مواءمة أعداد الموظفين مع حاجات العمل إحدى أبرز الوسائل التي تلجأ إليها الشركات، لإظهار هذه المكاسب أمام المستثمرين والأسواق.
وفي الوقت نفسه حققت أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدماً لافتاً في مجالات مثل برمجة البرمجيات وكتابة الأكواد، بينما لا تزال كثير من الوظائف الإدارية والمكتبية أقل عرضة للاستبدال الكامل في الوقت الراهن، لكن محللين يحذرون من أن هذا الوضع قد لا يستمر طويلاً، مع استمرار تطور قدرات الذكاء الاصطناعي واتساع نطاق استخدامه داخل المؤسسات.
جيوش "الوكلاء الأذكياء"
ويقول أستاذ الاقتصاد في "جامعة نوتنغهام"، غريغوري ثويتس، إن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل لن يظهر بين ليلة وضحاها، موضحاً أن الشركات تحتاج إلى وقت طويل حتى تكتشف أفضل السبل لاستخدام التكنولوجيا لتقليص الاعتماد على العمالة، مضيفاً للصحيفة أنه بمجرد وصول الشركات إلى هذه المرحلة، سواء بحكم طبيعة القطاع الذي تعمل فيه أو بفضل إدارتها المرنة، فمن المرجح أن تتزايد عمليات تسريح الموظفين مع تجميد التوظيف بوتيرة أكبر.
ولا يقتصر الدافع وراء خفض الوظائف على قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء بعض المهمات، بل يمتد أيضاً إلى الكلفة الباهظة للاستثمار في هذه التقنية، ففي وقت يستخدم كثير من الموظفين أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة الرسائل الإلكترونية أو إعداد العروض التقديمية، بات مهندسو البرمجيات مطالبين بالإشراف على مجموعات من "الوكلاء الأذكياء" القادرين على كتابة الأكواد البرمجية، ومراقبة الأنظمة التقنية، وتحليل كميات هائلة من البيانات بصورة مستقلة، وكذلك فإن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي يفرض أعباء مالية متزايدة على الشركات، إذ تُحتسب رسوم التشغيل وفق عدد الرموز (Tokens)  التي تستهلكها هذه النماذج، مما أدى إلى ارتفاع فواتير الاستخدام بصورة كبيرة.


ودفعت هذه الكلفة شركات مثل "أمازون" و"ميتا" إلى إلغاء لوحات داخلية كانت تشجع الموظفين على الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي، بينما لجأت شركات أخرى إلى فرض قيود على استخدام هذه الأدوات بعد تضخم كُلفها، وفي بعض الحالات لم تُخف شركات التكنولوجيا أن هدفها من تقليص الوظائف هو توفير الموارد المالية اللازمة لزيادة الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يُتوقع أن تحل محل جزء من القوى العاملة مستقبلاً.
وكتب المدير التنفيذي في قطاع التكنولوجيا، براتيك راتاديا، أن موجات التسريح الحالية "ليست ناتجة من الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل من الإنفاق الرأسمالي الضخم الموجه لتطويره، على أمل أن تؤتي هذه الاستثمارات ثمارها قريباً"، في توجه يعكس أيضاً ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا"، مارك زوكربيرغ، خلال اجتماع داخلي مع الموظفين، إذ أوضح أن أكبر بندين في نفقات الشركة هما البنية التحتية الحاسوبية والموارد البشرية، مضيفاً أن زيادة الاستثمار في القدرات الحاسوبية الخاصة بالذكاء الاصطناعي تستلزم تقليص حجم القوى العاملة في مجالات أخرى.
موجة متسارعة من إعادة الهيكلة
ويتوقع محللو شركة "بيرنستين" أنه إذا نجحت إحدى الشركات الكبرى في بناء نموذج تشغيلي يعتمد بصورة واسعة على الذكاء الاصطناعي، فإن الشركات المنافسة ستسارع إلى تقليدها، وهو ما قد يطلق موجة متسارعة من إعادة الهيكلة وتغيير نماذج العمل في مختلف أنحاء القطاع، لكن هذا التحول لا يحظى بقبول واسع داخل الشركات نفسها، فقد اشتكى عدد من موظفي "ميتا"، الذين نجوا من موجات التسريح الأخيرة، من تكليفهم بأعمال روتينية تتمثل في إعداد بيانات تدريب لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وكذلك أثارت الشركة جدلاً بعدما بدأت تتبع حركات الفأرة وضغطات لوحة المفاتيح لدى الموظفين، بهدف تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على استخدام الحواسيب، قبل أن توقف البرنامج موقتاً بعدما اكتشفت أن جزءاً من البيانات التي جُمعت أصبحت متاحة لجميع الموظفين.
وعلى رغم هذه الانتقادات لا توجد مؤشرات على تباطؤ مسار الأتمتة، فقد كشفت تقارير حديثة أن "ميتا" تعتزم إسناد معظم عمليات الإشراف على المحتوى إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، في خطوة تستهدف خفض الكلفة ورفع الكفاءة، وبالنسبة إلى كثير من العاملين فإن المستقبل الذي يقوم فيه الموظف بالإشراف على جيوش من الوكلاء الأذكياء، لم يعد يشبه الوظيفة المثالية التي جعلت وادي السيليكون وجهة الأحلام لعقود، وقد لخّص أحد موظفي القطاع هذا الشعور على منصة "بليند" حينما كتب "كانت وظائف التكنولوجيا تعيش عصرها الذهبي، ويبدو أن هذا العصر يقترب من نهايته".


اندبندنت عربية 



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=131&id=206370

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc