مرسوم تشكيل المحكمة الدستورية العليا.. انتقال مؤسساتي إلى ترسيخ دولة القانون
09/07/2026






سيرياستيبس 

يقول القاضي الدولي المستشار وليد الحمود، إن الدول الحديثة تبنى ببناء المؤسسات التي تحمي تلك القوانين من الانحراف، وتضمن خضوع الجميع لأحكام الدستور. لذلك، فإن إصدار السيد الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 149 لعام 2026، القاضي بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية وتحديد مهامها، يمثل استكمالا لبنية السلطة القضائية وخطوة مفصلية في الانتقال من إدارة المرحلة الانتقالية إلى ترسيخ هندسة الدولة الدستورية، فالأنظمة قد تدار بالسلطة، أما الدول فلا تدار إلا بالمؤسسات.

وكان الرئيس أحمد الشرع أصدر أمس الأول المرسوم رقم 149 لعام 2026، القاضي بتعيين الدكتور عصام خالد الخليف رئيسا للمحكمة الدستورية العليا. ونص المرسوم على تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا من السادة التالية أسماؤهم: القاضي المستشار خير الله نديم غنوم، والقاضي المستشار محمد مصطفى سبيع، والقاضي المستشار إيمان أنطوان نوري، والدكتور إسماعيل حمادي الخلفان، والدكتورة ريعان حسن كحيلان، والمحامي الأستاذ عارف أحمد الشعال.

كما نص المرسوم على أن المحكمة الدستورية العليا تضطلع بمهام أساسية ريثما يصدر القانون الذي ينظم آلية عملها واختصاصاتها، وتتمثل هذه المهام في الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين بناء على طلب رئيس الجمهورية.

ومن مهام المحكمة، وفق ما نص عليه المرسوم، إبداء الرأي في دستورية اقتراحات القوانين بناء على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب، وكذلك تفسير نصوص الإعلان الدستوري بناء على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب.

ويحمل إصدار المرسوم الرئاسي في سوريا أبعادا سياسية واستراتيجية في مسار بناء الدولة الحديثة، على اعتبار أن إنشاء المحكمة الدستورية كمؤسسة قضائية جوهرها حماية القوانين وترسيخ الأمن القضائي، الذي يعد من أهم مرتكزات بناء الثقة بين المواطن والدولة بسلطتها القضائية.

وكانت تجربة المحاكم الدستورية العربية قد بدأت في مصر، حيث أنشئت “المحكمة العليا” عام 1969، ثم تحولت إلى “المحكمة الدستورية العليا” عام 1979. وفي المغرب تطورت من “غرفة دستورية” عام 1962 إلى محكمة دستورية مستقلة.

ونشأت المحاكم الدستورية لحماية الدستور أو الإعلان الدستوري وضمان عدم مخالفة القوانين له، وبدأت في الولايات المتحدة عام 1803 في قضية مشهورة تعرف بـ”ماربوري ضد ماديسون”، حيث منحت المحكمة العليا نفسها حق إلغاء القوانين المخالفة، ثم ظهر النظام الأوروبي المركزي في النمسا عام 1920، وهو نظام محاكم مستقلة تلغي القوانين المخالفة فورا.

وتنقسم نظم الرقابة الدستورية وحماية الدستور إلى نظامين أساسيين؛ أولهما النظام الأميركي الذي يعتمد على الرقابة اللامركزية، والذي ظهر على يد القاضي “جون مارشال” عام 1803، حيث يقوم على مبدأ أنه يحق لأي قاض أن يمتنع عن تطبيق قانون إذا اكتشف أنه يخالف الدستور. أما النظام الثاني فهو النظام الأوروبي أو نظام الرقابة المركزية، وظهر في النمسا عام 1920 على يد القاضي “هانز كلسن” من خلال إنشاء محكمة دستورية عليا تعد الجهة الوحيدة التي تملك حق إلغاء القانون المخالف للدستور نهائيا.

في مسار بناء دولة القانون.. ما هو الأمن القضائي؟
تشكل حماية القوانين وشرعيتها عبر المؤسسات الدستورية والتشريعية مرتكزا أساسيا في مسار بناء الدولة الحديثة، باعتبارها المرجعية القانونية الأساسية التي تنطلق منها التشريعات والأحكام القضائية، مع مراعاة المرحلة السياسية للبلاد. لذلك، يحمل إصدار المرسوم رسائل سياسية عديدة داخليا وخارجيا، وخاصة لجهة توقيت إصداره.

ويشير القاضي الحمود، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن هذا المرسوم يحمل عدة رسائل استراتيجية تتجاوز موضوع تعيين القضاة أنفسهم، أولها أن الدولة تدخل مرحلة بناء المؤسسات الدائمة وليس فقط الاكتفاء بإدارة الملفات اليومية، والثانية أن الشرعية الدستورية أصبحت جزءا من عملية إعادة بناء الدولة إلى جانب الشرعية السياسية، إضافة إلى أن القضاء الدستوري سيكون المرجعية العليا لحماية الإعلان الدستوري وضبط العلاقة بين السلطات.

ويضيف أن الدولة تسعى إلى تعزيز الثقة الداخلية والخارجية بوجود مؤسسات رقابية عليا قادرة على حماية المشروعية الدستورية، وهذه الرسائل تكتسب أهمية خاصة من حيث توقيتها، لأنها تأتي بعد استكمال خطوات مؤسسية أخرى من بينها تشكيل مجلس الشعب الجديد، بما يعكس انتقالا تدريجيا نحو استكمال البنية الدستورية للدولة.

ويشكل المرسوم رسالة ثقة بالمؤسسات القضائية وعملها، وأيضا بالقوانين التي تستند إلى إعلان دستوري بوصفه مرجعية قانونية عليا، بحيث تندرج عمليات التقاضي الشاملة في إطار الأمن القضائي.

ويعرف الأمن القضائي، بحسب العديد من المراجع الحقوقية، وأبرزها “مقومات الأمن القضائي” الذي نشرته “مجلة الدراسات الفقهية والقضائية” في الجزائر، بأنه التركيز على الثقة بالمؤسسة القضائية وهي تمارس أعمالها في الفصل في المنازعات المعروضة عليها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الكفاءة وجودة الأوامر وتسهيل الولوج إلى القضاء، مع مراعاة معايير العدالة في الخصومة والتقاضي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدول المتطورة تعمل على توفير الضمانات القانونية الأساسية التي تكفل مفهوم العدالة وفق المعايير المعاصرة.

لذلك، يصبح تعريف الأمن القضائي أنه الإجراءات التي تتخذها الدول في حدود طاقتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، مع مراعاة المتغيرات الدولية، كما أنه في المعنى الواسع هو مجموعة الإجراءات والسياسات المهمة التي تلجأ إليها الدولة لحماية شعبها وكيانها وإنجازاتها.

ونشرت “مجلة البحوث في الحقوق والعلوم السياسية” دراسة بحثية للباحثين الجزائريين بكار ريم هاجر وبوراس عبد القادر بعنوان “الأمن القضائي ودوره في تكريس دولة القانون”، أكدا فيها أن مبدأ الأمن القضائي يعد أحد المبادئ المهمة التي ترتكز عليها دولة القانون، لأنه يعزز ثقة المتقاضين في الجهاز القضائي بما يصدر عنه من أحكام وقرارات وأوامر قضائية، حيث إن القضاء هو السلطة التي تعود إليها صلاحية الفصل بين المتخاصمين وفض النزاعات بينهم، لأن الهدف من وراء ذلك هو حماية حقوق المتقاضين وتحقيق العدالة بينهم.

وأشار الباحثان إلى أنه من أجل إحقاق العدل والتطبيق الأمثل والأسمى لسلطان القانون، ينبغي أن تكون هناك سلطة قضائية مستقلة تفصل في المسائل المعروضة عليها دون أي تحيز أو ضغط من أي جهة ولأي سبب كان، حيث تضمن الشفافية والنزاهة والمصداقية في الأعمال القضائية، وهذا ما يحقق في الأخير الإرساء الفعلي لدولة القانون، حيث يكون القانون فوق الجميع دون استثناء.

وهنا يرى القاضي الحمود، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن الأمن القضائي من أكثر المفاهيم التي ما زالت غائبة في الخطاب العام، وأنه من حيث التطبيق هو أن يشعر المواطن والمستثمر ورجل الأعمال والموظف وحتى مؤسسات الدولة، بأن حقوقهم والتزاماتهم محمية بقضاء مستقل ومستقر، وأن تفسير القانون لن يتغير بتغير الأشخاص أو الظروف السياسية. فالأمن القضائي هو الوجه الآخر للأمن الوطني، إذ لا يمكن جذب الاستثمار أو إعادة الإعمار أو بناء اقتصاد قوي في ظل غياب الثقة باستقرار المنظومة القضائية. ولهذا تعد المحكمة الدستورية العليا أحد أهم أعمدة الأمن القضائي، لأنها تحمي الدستور من أي تجاوز وتضمن انسجام القوانين مع المبادئ الدستورية.

وبحسب إصدار “إضاءات في الدراسات القضائية”، الذي نشر دراسة بحثية بعنوان “الأمن القضائي ومسار بناء دولة الحق والقانون”، يصبح الأمن القضائي محورا أساسيا في بناء دولة القانون من خلال ضمان استقرار المراكز القانونية وتوقع الأحكام، مما يعزز ثقة الأفراد بالمؤسسات.

ويتحقق الأمن القضائي، بحسب الدراسة، من خلال استقلال السلطة القضائية والتنبؤ بالأحكام القضائية عبر توحيد الاجتهادات القضائية ومنع تضاربها، وسرعة البت في القضايا وعدم ضياع الحقوق، وإلزام كل السلطات والأفراد بتطبيق القرارات النهائية الصادرة عن المحاكم.

بين المحكمة الدستورية والمبادئ “فوق الدستورية”
بشكل عام، تعد المحاكم الدستورية أعلى سلطة قضائية في البلاد، وتتحدد طريقة اختيار قضاتها وصلاحياتها ضمن دستور الدولة وتختلف من دولة إلى أخرى. لكن، بشكل عام، فإن المحكمة الدستورية هي صاحبة القول الفصل في توافق أي قرار أو مرسوم أو قانون أو حكم قضائي مع الدستور أو الإعلان الدستوري الذي هو التشريع الأعلى في البلاد ولا يجوز مخالفته.

وتحال الدعوى إلى المحكمة الدستورية بشكل عام من طريقين؛ الأول هو شك المحكمة بعدم دستورية قانون معين، وبالتالي تقوم هي بتحريك الدعوى لدراسة دستوريته، أو يمكن للحكومة أو البرلمان أو أي جهة أخرى، حسب دستور كل بلد، الطعن بدستورية تشريع أو حكم قضائي ما، فتقوم المحكمة الدستورية العليا بالنظر في دستورية الموضوع المطعون فيه.

كما تختص المحكمة الدستورية بتفسير مواد الدستور أو الإعلان الدستوري بناء على طلبات تقدم إليها للاسترشاد أثناء وضع المراسيم والتشريعات، كما أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية قطعية وغير قابلة للطعن باعتبارها أعلى سلطة قضائية في البلاد.

وهنا يشير القاضي الحمود إلى أن المحكمة الدستورية ليست محكمة استئناف ولا محكمة تمييز، وإنما هي حارس الدستور، ومهمتها الأساسية حماية النظام الدستوري وليس الفصل في الخصومات المدنية أو الجزائية. وتشمل اختصاصاتها، بحسب النظم الدستورية المقارنة، الرقابة على دستورية القوانين، والفصل في المنازعات ذات الطبيعة الدستورية، وتفسير النصوص الدستورية عند الحاجة بما يضمن وحدة التطبيق الدستوري، كما حدد المرسوم السوري الجديد تشكيل المحكمة ومهامها استنادا إلى الإعلان الدستوري.

أما المبادئ “فوق الدستورية”، فتاريخيا تقول بعض المراجع إن أول ظهور لها كان في عام 1100 للميلاد، عندما صدر ما يسمى “ميثاق الحريات” في بريطانيا من الملك هنري الأول، وقد تضمن قيودا وحدودا للسلطات وتجاوزاتها، تبعه صدور ما يسمى وثيقة “الماغنا كارتا” أو “العهد العظيم” أيضا في بريطانيا عام 1215، في عهد الملك جون، وتضمن بشكل أوسع تنظيم العلاقة بين الملك والشعب بصورة تحد من سلطات الملك.

وقد أخذت هذه المبادئ طابع الحداثة مع إعلان ميثاق الاستقلال الأميركي في الرابع من تموز 1776، الذي نص على جملة من المبادئ كالحق في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة، تبعه “ميثاق حقوق الإنسان والمواطن” الفرنسي عام 1789 إبان الثورة الفرنسية.

وتعرف المبادئ “فوق الدستورية”، كمفهوم حديث للمصطلح، بأنها مجموعة القواعد والأحكام المتفق عليها من كل الفئات أو ممثليها ضمن الدولة الواحدة، وتكون أعلى رفعة وسموا ودواما وإطلاقا وحصانة ضد التعديل والإلغاء والتعطيل من أحكام الدستور ذاته، وتأتي إما في وثيقة أو وثائق منفصلة أو ضمن الدستور ذاته، ويكون مصدرها قواعد وأحكام سامية عالمية وكل ما تقتضيه الضرورة القصوى النص عليه وتأكيده لصون وحفظ قدسية الإنسان وكرامته.

وتستخدم هذه المبادئ عند تأسيس دول جديدة أو عند كتابة دستور جديد بعد الثورات أو الحروب لضمان قيام دولة عادلة. وفي هذا السياق، يقول القاضي الحمود إن الدستور يمكن تعديله، أما المبادئ فوق الدستورية فهي القيم التي لا يجوز لأي سلطة المساس بها حتى لو تم تعديل الدستور. ومن أبرز هذه المبادئ في التجارب المقارنة سيادة القانون، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وحماية الحقوق والحريات الأساسية، والمساواة أمام القانون، وحظر التعذيب، وعدم التمييز، وتداول السلطة. وتستخدم هذه المبادئ عادة في المراحل الانتقالية لحماية الدولة من العودة إلى الاستبداد، ولضمان ألا تتحول الأغلبية السياسية إلى سلطة مطلقة.

لماذا لا يجوز الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية وأي منصب؟
إن بناء مسار قضائي قوي يشكل القاعدة الأساسية لبناء دولة مستقرة وعادلة، ويضمن هذا المسار تطبيق القانون بحياد، ويحمي حقوق الأفراد والمؤسسات، ويمنع التسلط، ويحفز الاستثمار، ويفرض احترام الدولة ومؤسساتها داخليا وخارجيا.

لذلك، فإن تطبيق القواعد القانونية العليا أمر في غاية الأهمية لضمان تطبيق بقية القوانين. وفي مختلف دول العالم، يمنع الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية وأي منصب حكومي أو نيابي لضمان الحياد وتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات ومنع تضارب المصالح، إضافة إلى أن عمل القاضي الدستوري يتطلب التفرغ الكامل للبحث القانوني والبت في الطعون.

وفي هذا السياق، يقول القاضي الحمود في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “لا يجوز الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية وأي منصب حكومي أو عضوية مجلس الشعب، وهذا المبدأ من أهم ضمانات استقلال القضاء الدستوري، فالسلطة التنفيذية تنفذ، والسلطة التشريعية تشرع، أما المحكمة الدستورية فتراقب دستورية أعمال السلطتين. ولو جمع الشخص بين هذه الوظائف لأصبح خصما وحكما في الوقت نفسه، ولهذا تحظر أغلب الدساتير الديمقراطية الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية وأي منصب سياسي أو حكومي، حفاظا على استقلال المحكمة وحيادها”.

ويضيف أن “الغاية ليست منع الأشخاص من العمل السياسي، وإنما منع تضارب المصالح وصون ثقة المجتمع بأحكام المحكمة. وإذا نجحت المحكمة في أداء دورها باستقلالية وكفاءة، فإنها ستكون إحدى أهم ضمانات نجاح مشروع الدولة السورية الحديثة، لأن الدولة لا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها، وإنما بقدرة مؤسساتها على إلزام الجميع، حكاما ومحكومين، بالخضوع للقانون. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للمحكمة تقاس بمدى قدرتها على ترسيخ ثقافة دستورية تجعل احترام الدستور ممارسة يومية وليس مجرد نصوص مكتوبة”.

إن تشكيل المحكمة الدستورية العليا يعد إعلانا عن دخول سوريا مرحلة جديدة من بناء الدولة المؤسسية، بهدف تعزيز استقلال القضاء وترسيخ الفصل بين السلطات وضمان الشفافية في عمل المؤسسات. فالمحكمة الدستورية لا تكتسب هيبتها من نصوص القانون وحدها، وإنما من الثقة العامة في نزاهتها واستقلالها، خاصة أن المحاكم الدستورية هي التي تحمي الدساتير والقوانين عبر المؤسسات الاختصاصية.

الثورة



المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=110&id=206421

Copyright © 2006 Syria Steps, All rights reserved - Powered by Platinum Inc