الأطعمة الفائقة المعالجة تسمم أجسامنا... ما الذي ينبغي التوقف عن تناوله؟
18/07/2026
سيرياستيبس
صُممت الأطعمة فائقة المعالجة لتدفعنا إلى مواصلة الأكل من دون بلوغ الشبع التام، ويرتبط الإفراط في استهلاكها بالسمنة والسكري والسرطان والخرف والالتهاب المزمن وتسارع الشيخوخة. ويبدأ الحد من أضرارها بتقليل المشروبات المحلاة والوجبات الخفيفة واللحوم المصنعة والمخبوزات المعبأة والوجبات السريعة، إلى جانب سياسات تحد من تسويقها وتجعل الأطعمة قليلة المعالجة أيسر وأقل كلفة.
بصفتي صحافياً متخصصاً في اللياقة البدنية، تتمثل مهمتي الرئيسة في نقل المعلومات التي يمكن أن تساعد الناس على الشعور بحال أفضل. ولتحقيق ذلك، أجريت مقابلات مع عدد لا يحصى من متخصصي الصحة، وظل مصطلح بعينه يتكرر بوصفه أحد أسباب تدهور الصحة في المملكة المتحدة، وهو الأطعمة الفائقة المعالجة.
وعموماً، لا ينبغي أن يقترن الحديث عن الطعام بإثارة الخوف، لكن الأدلة المناهضة للأطعمة الفائقة المعالجة تواصل التراكم. وفي هذا السياق، يقول عالم الأعصاب ومؤلف كتاب "شفرة العمر" The Age Code الدكتور ديفيد كوكس: "أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل بيئتنا الغذائية الحديثة تسرع الشيخوخة هو أن كثيرين منا يثقلون أجسامهم، من خلال الأطعمة الفائقة المعالجة، بسعرات حرارية تفوق حاجتها".
ويضيف: "ينتهي الأمر بتغير تكوين أجسامنا. فبين سن الـ20 والـ40، يفقد كثيرون كتلتهم العضلية، وتحل محلها دهون داخلية تعرف بالدهون الحشوية، وهي دهون تحفز الالتهابات بدرجة كبيرة".
وفي دلالة على الأهمية المتزايدة التي تحظى بها قضية الأطعمة الفائقة المعالجة، نشرت "المجلة الأميركية للصحة العامة" أخيراً عدداً خاصاً عن أخطارها على الصحة العامة، كذلك أنشأت قسماً جديداً في موقعها الإلكتروني مخصصاً لهذا الموضوع.
وفي ما يلي ما أخبرني به المتخصصون عن أحدث الأبحاث المتاحة والأخطار الصحية المروعة التي تفرضها الأطعمة الفائقة المعالجة.
ما الأطعمة الفائقة المعالجة، ولماذا نستهلكها بكثرة؟
وجدت أبسط تعريف وأكثره وضوحاً للأطعمة الفائقة المعالجة خلال حديث مع مؤلف كتاب "أشخاص فائقو المعالجة" Ultra-Processed People، البروفيسور كريس فان توليكن.
وأوضح قائلاً: "إذا كانت العبوة تحوي مكوناً لا تجده عادة في مطبخ منزلي، مثل المواد المستحلبة أو المنكهات، فمن المرجح جداً أن يكون المنتج من الأطعمة الفائقة المعالجة".
وفي المملكة المتحدة والولايات المتحدة، باتت هذه المنتجات تشكل أكثر من نصف السعرات الحرارية التي يستهلكها البالغون، فيما تقترب النسبة لدى الأطفال من الثلثين، وفق أستاذة علم النفس ورئيسة قسم العلوم السريرية في جامعة ميشيغان الدكتورة آشلي غيرهارت.
ولكن لماذا نستهلكها بهذه الكميات الكبيرة؟ بحسب الدكتورة غيرهاردت والدكتور كوكس، يكمن السبب في ما تسميه غيرهاردت "نقطة المتعة القصوى"، وهي تركيبة محسوبة بدقة من الكربوهيدرات المكررة، وغالباً السكر، والدهون والملح. وهذه تركيبة قلما توجد في الطبيعة، وتدفعنا إلى طلب مزيد من دون أن نشعر بالشبع التام.
ومن منظور تطوري، كان الحصول على السعرات الحرارية صعباً ومرتبطاً بالبقاء على قيد الحياة. لذلك، عندما نصادف هذا المزيج الغني بالسعرات الحرارية، تكون أدمغتنا مبرمجة بالفطرة على الاستفادة منه إلى أقصى حد وتناول أكبر كمية ممكنة، وفق الدكتور كوكس، لكن هذا النوع من الطعام لم يعد نادراً في ظل منظومات الغذاء السائدة في القرن الـ21.
وتضيف الدكتورة غيرهارت، التي تسهم أيضاً في مبادرة "فد أب!"!Fed UP، وهي مجموعة من العلماء تسعى إلى توعية الناس بالأطعمة الفائقة المعالجة: "لم يحدث ذلك مصادفة".
وتتابع: "أمضت شركات الأغذية عقوداً في تصميم منتجات فائقة المعالجة شديدة الإغراء، تمنح متعة كبيرة عند تناولها، على رغم ما توفره من قيمة غذائية محدودة نسبياً. وجعلتها رخيصة الثمن، وسهلة التناول، وروجت لها بكثافة، حتى أصبحت متوافرة في كل مكان".
وتوضح: "لا تكمن المشكلة في أن الناس فقدوا فجأة قوة إرادتهم، بل في أننا أنشأنا بيئة غذائية تهيمن عليها بصورة متزايدة هذه المنتجات الفائقة المعالجة المصممة بعناية، لتحل محل الأطعمة القليلة المعالجة في نظامنا الغذائي".
لماذا يعد تناول مزيد من الأطعمة الفائقة المعالجة أمراً ضاراً؟
تعد الأطعمة الفائقة المعالجة حديثة العهد نسبياً، إذ لم تبدأ في الهيمنة على أرفف المتاجر الكبرى إلا خلال العقود الأخيرة، وهذا جزء من المشكلة، بحسب الدكتور كوكس.
ويوضح قائلاً: "تطورت أجسامنا بحيث تكون شديدة التفاعل مع ما يحيط بها، وهذا ما أبقانا على قيد الحياة طوال ملايين السنين".
لكنها لم تتطور بعد بما يمكنها من التعامل مع المواد الاصطناعية الموجودة في الأطعمة الفائقة المعالجة، مثل المواد الحافظة والمحليات.
ويقول الدكتور كوكس: "نشهد عدداً متزايداً من الدراسات الوبائية التي تظهر أن الخلايا المناعية في الأمعاء تتعامل مع هذه المواد باعتبارها أجساماً غريبة، مما يؤدي بمرور الوقت إلى التهابات مزمنة".
ويضيف أن ذلك يحمل الجهاز المناعي أعباء تفوق طاقته، ويبقيه في حال دائمة من التأهب القصوى. وكما يعرف كل من ألقيت على عاتقه فجأة مهام إضافية في العمل، فإن أداءه في وظيفته الأساسية يتراجع نتيجة لذلك.
ويتابع الدكتور كوكس: "يفترض أن يؤدي الجهاز المناعي مهام مثل اكتشاف السرطانات في مراحلها المبكرة. وهذه إحدى النظريات التي قد تفسر تزايد الإصابة بها بين من هم دون سن الـ50".
ماذا تقول الأبحاث؟
تقول الدكتورة غيرهارت: "تخلص الدراسات باستمرار إلى أن الأشخاص الذين يستهلكون كميات أكبر من الأطعمة الفائقة المعالجة يسجلون نتائج صحية أسوأ، وذلك عبر مجموعات سكانية كبيرة وتصاميم بحثية عدة".
وتضيف: "وجدت دراستان نشرتا ضمن القسم الخاص الأخير في المجلة الأميركية للصحة العامة عن الأطعمة الفائقة المعالجة والصحة العامة أن ارتفاع استهلاك هذه الأطعمة يرتبط باستمرار بزيادة خطر الإصابة بمتلازمة الأيض والسكري والسرطان، وارتفاع مؤشر كتلة الجسم وسكر الدم وضغط الدم، فضلاً عن زيادة خطر الخرف والضعف الإدراكي لدى كبار السن".
ونشرت مجلة "لانسيت"، إحدى أبرز المجلات الطبية في العالم، العام الماضي سلسلة مؤلفة من ثلاث أوراق بحثية عن الانتشار العالمي المتزايد للأطعمة الفائقة المعالجة وارتباطها بكثير من الأمراض غير المعدية.
وبدأت افتتاحية مصاحبة للسلسلة بعنوان "الأطعمة الفائقة المعالجة: حان الوقت لتقديم الصحة على الربح"، بعبارة واضحة لا لبس فيها: "إن تزايد الأطعمة الفائقة المعالجة في الأنظمة الغذائية البشرية يضر بالصحة العامة، ويفاقم الأمراض المزمنة في أنحاء العالم، ويعمق التفاوتات الصحية".
ما الذي يمكن فعله للحد من استهلاك الأطعمة الفائقة المعالجة؟
يخلص التقرير ذاته إلى ضرورة إحداث تغيير مجتمعي أوسع للتصدي للمشكلات الناجمة عن الأطعمة الفائقة المعالجة، من خلال تدابير تتجاوز بكثير مجرد حث الناس على الحد من استهلاكها. فمع أنني أستطيع أن أنصحك بإعطاء الأولوية للأطعمة الكاملة أو قليلة المعالجة، فإنك تواجه منظومة غذائية تجعل ذلك بالغ الصعوبة.
وجاء في المقال "تجسد صناعة الأطعمة الفائقة المعالجة منظومة غذائية تخضع بصورة متزايدة لهيمنة شركات عابرة للحدود تضع أرباحها قبل الصحة العامة... وثمة حاجة إلى نهج شامل تقوده الحكومات لعكس مسار الارتفاع في استهلاك هذه الأطعمة".
ويوصي التقرير بوضع علامات واضحة على المنتجات الفائقة المعالجة، وفرض ملصقات تحذيرية إلزامية على واجهات العبوات، وحظر تسويق هذه المنتجات للأطفال، وتقييد توافرها داخل المؤسسات العامة، وفرض ضرائب أعلى عليها.
وتضيف الدكتورة غيرهارت: "يمكننا أيضاً الاستثمار في جعل الأطعمة القليلة المعالجة الخيار الأسهل والأقل كلفة والأكثر ملاءمة. وهذه من مشكلات الصحة العامة النادرة التي باتت حلولها مطروحة بالفعل".
تحذر الدكتورة آشلي غيرهارت من أن "فئات من المنتجات، مثل بعض حبوب الإفطار وألواح الغرانولا، قد تسوق على أنها صحية أو مغذية، مع أنها تظل أطعمة فائقة المعالجة" (غيتي/ آي ستوك)
ليست جميع الأطعمة الفائقة المعالجة سواء
تندرج الأطعمة الفائقة المعالجة ضمن نطاق واسع، وتختلف تأثيراتها في صحتك باختلاف موقعها في هذا النطاق. وعلى رغم إقرار الدكتورة غيرهارت بذلك، فإنها تحث الناس أيضاً على عدم إغفال المشكلات الجوهرية القائمة.
وتقول الدكتورة: "إن المنتجات الفائقة المعالجة التي تهيمن على بيئتنا الغذائية وتعد الركيزة الأساسية لأعمال كبرى شركات الأغذية تشمل: المشروبات المحلاة، والوجبات الخفيفة المالحة، والمخبوزات المعبأة، واللحوم المصنعة، وكثير من أصناف الوجبات السريعة".
وتضيف: "ترتبط هذه المنتجات - بصورة ثابتة - بآثار صحية سلبية، وهي تمثل الجانب الأهم للتركيز عليه إذا كنت تسعى إلى تقليل استهلاكك منها. وكقاعدة عامة، تعد الأطعمة التي لا تزال تحتفظ بهيئتها الطبيعية وتتكون من مكونات بسيطة ومألوفة - مما قد يتوفر بالفعل في مطبخك - خياراً أفضل عادة".
تحذير أخير
بالطبع، لا يزال بعضهم يصر على أن الأطعمة الفائقة المعالجة لا تمثل مشكلة، لذلك سألت الدكتور كوكس كيف يرد على هذا الرأي.
ويقول: "لدي مثال بالغ الدلالة من الفترة التي عملت فيها في الكويت. فبسبب التغير المناخي، أصبحت درجات الحرارة مرتفعة على مدى العام إلى حد يتعذر معه زراعة كثير من المحاصيل، مما أدى إلى زيادة الاعتماد على استيراد الغذاء وارتفاع استهلاك الأطعمة الفائقة المعالجة".
ويضيف: "ونتيجة لذلك، تسجل البلاد الآن بعضاً من أعلى معدلات الشيخوخة المتسارعة في العالم. والوضع الصحي هناك صادم، إذ تتزايد معدلات الإصابة بمختلف الأمراض المزمنة بوتيرة سريعة. ويعاني ربع البالغين داء السكري من النوع الثاني، وباتت هذه الأمراض تظهر في أعمار أصغر فأصغر".
ويتابع: "أما في المملكة المتحدة، فقد وصلنا إلى مرحلة يحصل فيها البريطاني العادي على 60 في المئة من سعراته الحرارية من الأطعمة الفائقة المعالجة، ونحن نشهد بالفعل انعكاسات ذلك على نظام الرعاية الصحية".
ويختتم: "نشهد ارتفاعاً في معدلات الإصابة بأمراض كثيرة، وهذا هو المستقبل الذي ينتظرنا ما لم نتخذ إجراء حيال ذلك".
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=144&id=206558