3 مسارات تنتظر أسواق النفط والرهان على انفراج مسار الإمدادات
17/08/2026
سيرياستيبس
كتب الاعلامي غالب درويش
تراجع الملاحة واستنزاف المخزونات يضعان الإمدادات الفعلية في صدارة الحسابات ويفتحان نطاقاً للأسعار بين 60 وأكثر من 100 دولار
لم تعد أسواق النفط تحتاج إلى أكثر من هجوم على ناقلة، أو تصريح سياسي متشدد، أو إشارة دبلوماسية مقتضبة، حتى يتغير اتجاهها خلال دقائق، في مشهد يعكس انتقال مركز التسعير من معادلات العرض والطلب التقليدية إلى سلامة الممرات البحرية وقدرة المنتجين على إيصال براميل الخام إلى المشترين.
وتعكس التحركات الأخيرة للأسعار هذا الاضطراب، إذ أنهى خام "برنت" تعاملات أول من أمس الجمعة الـ14 من أغسطس (آب) الجاري عند 88.52 دولار للبرميل، مرتفعاً ستة في المئة خلال الأسبوع، بعد تجدد الهجمات على الناقلات وتعثر جهود التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران.
لكن بقاء الأسعار دون مستويات الذعر، على رغم شبه توقف الملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة، يكشف عن وجود قوى متعارضة داخل السوق، ففي مقابل نقص الإمدادات وتراجع المخزونات وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، يضغط ضعف الطلب العالمي واستخدام الاحتياطات الاستراتيجية في الاتجاه المعاكس.
وتزداد صعوبة قراءة السوق مع عبث طهران بأمن الاقتصاد الإقليمي والعالمي، ومع تعاقب الإشارات المتناقضة، إذ تدفع أنباء التقدم الدبلوماسي الأسعار إلى التراجع، بينما تعيد الهجمات البحرية أو تشديد العقوبات علاوة الأخطار، مما يجعل الخبر السياسي والعسكري أكثر تأثيراً من البيانات الاقتصادية في بعض جلسات التداول.
ومع غياب اتفاق شامل وموثوق، تتجه السوق إلى مرحلة من التقلبات الواسعة بدلاً من مسار سعري ثابت، فيما يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر قدرة على دفع خام "برنت" إلى أقل من 80 دولاراً أو أكثر من 100 دولار وفق تطورات الأزمة.
أرقام تكشف عن هشاشة السوق
كان نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط تعبر مضيق هرمز خلال عام 2025، بما يعادل قرابة 20 في المئة من استهلاك السوائل النفطية عالمياً، في حين تراوح الطاقة المتاحة في المسارات البديلة عبر السعودية والإمارات ما بين 3.5 مليون و5.5 مليون برميل يومياً، مما يجعل التعويض الكامل عن المضيق غير ممكن في الأجل القريب.
وتراجعت حركة السفن من نحو 130 إلى 140 عبوراً يومياً قبل الحرب إلى ست سفن في التاسع من أغسطس الجاري، قبل أن ترتفع إلى تسع سفن في الـ13 منه، مقارنة بمتوسط بلغ 12 سفينة يومياً منذ بداية الشهر ذاته، مع احتمال عبور بعض السفن بعد إغلاق أجهزة التتبع.
وتظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن تحميلات النفط في الشرق الأوسط بلغت 20 مليون برميل يومياً مطلع يوليو (تموز) الماضي، قبل أن تنخفض إلى نحو 12 مليوناً، بينما ظل إنتاج المنطقة أقل بنحو 8.3 مليون برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب.
وانخفضت المخزونات النفطية العالمية المرصودة 69 مليون برميل خلال يوليو، ليبلغ إجمال السحب منها منذ بداية الحرب 410 ملايين برميل، وتهبط إلى أقل من 7.9 مليار برميل للمرة الأولى منذ أبريل (نيسان) 2025، فيما تتوقع الوكالة عجزاً قدره 1.8 مليون برميل يومياً خلال الربع الثالث.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت المخزونات التجارية 17.4 مليون برميل إلى 424.4 مليون في الأسبوع المنتهي في السابع من أغسطس الجاري، بينما تراجع الاحتياط الاستراتيجي 6.1 مليون برميل إلى 298.7 مليون، وهو أدنى مستوى خلال أكثر من أربعة عقود.
الأخطار تتقدم على الأساسات
أفاد متخصصون في الشأن النفطي لـ"اندبندنت عربية" بأن سلامة الممرات البحرية أصبحت عاملاً موازياً للإنتاج والطلب والمخزونات، إذ لا تدخل البراميل فعلياً ضمن المعروض العالمي قبل تحميلها ونقلها وتسليمها إلى الأسواق.
وأشاروا إلى أن استعادة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز ستخفض علاوة الأخطار وتعيد كميات متوقفة إلى السوق، لكن إعلان اتفاق سياسي لن يكون كافياً من دون عبور منتظم للسفن وتراجع كلفة التأمين والشحن، موضحين أن الاحتياطات الاستراتيجية والمسارات البديلة عبر السعودية والإمارات أسهمت في منع قفزة سعرية حادة، لكنها لا تستطيع تعويض التدفقات التي كانت تمر عبر المضيق، لا سيما إذا امتدت الاضطرابات إلى باب المندب أو صادرات البحر الأسود.
ولفتوا إلى أن سوق المشتقات النفطية قد تواجه ضغوطاً أشد من سوق الخام، مع اضطراب صادرات المنتجات الخليجية وتراجع نشاط المصافي الروسية، مما يهدد إمدادات الديزل ووقود الطائرات خلال الأشهر المقبلة، مرجحين استمرار تحرك خام "برنت" داخل نطاق واسع ما لم يظهر اتفاق سياسي قابل للتنفيذ، مع إمكان هبوطه دون 80 دولاراً عند استعادة الملاحة، أو ارتفاعه فوق 100 دولار إذا اتسع استهداف الناقلات والمنشآت النفطية.
المشتقات قبل النفط الخام
بدوره، أكد المتخصص في الشؤون النفطية كامل الحرمي أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على إمدادات الخام، بل تمتد بصورة أكبر إلى المشتقات النفطية، في ظل الضربات المتكررة التي أضعفت قدرات التكرير والتصدير الروسية.
وأشار الحرمي إلى تضرر أكثر من 20 مصفاة روسية، محذراً من أن تزامن نقص المنتجات الروسية مع تعطل محتمل للصادرات الخليجية عبر مضيق هرمز قد يجعل الشتاء المقبل أكثر صعوبة على أوروبا.
وأظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية انخفاض تشغيل المصافي الروسية إلى نحو 3.9 مليون برميل يومياً خلال يوليو الماضي، قرب أدنى مستوى خلال 20 عاماً، فيما بقي نشاط التكرير العالمي أقل بنحو 5 ملايين برميل يومياً من مستواه قبل عام.
ويرى الحرمي أن الأزمة الأشد قد تتمثل في نقص الديزل ووقود الطائرات وبقية المنتجات، لا في النفط الخام وحده، لأن توافر الخام لا يعوض تعطل المصافي أو طرق تصدير الوقود الجاهز.
علاوة الأخطار الجيوسياسية
يرى المتخصص في شؤون الطاقة والنفط علي الريامي أن علاوة الأخطار الجيوسياسية ستظل عاملاً رئيساً في إبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، في ظل استمرار الضبابية المحيطة بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ومحدودية قدرة مسارات الشحن البديلة على تعويض أي اضطراب محتمل في الإمدادات.
وقال الريامي، وهو أيضاً المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز في وزارة الطاقة العمانية، إن تحرك الأسعار حالياً في نطاق يراوح ما بين 80 و85 دولاراً للبرميل، مع احتمالات اقترابها من مستوى 90 دولاراً، يعكس بالفعل جانباً مهماً من مخاوف السوق المرتبطة بأمن الإمدادات، لكنه يرى أن أي تصعيد جديد أو تعطل فعلي في تدفقات النفط عبر المضيق قد يدفع الأسعار إلى ما فوق هذا المستوى.
وأضاف الريامي أن تأثير التوتر لا يقتصر على صادرات النفط الإيرانية وحدها، إذ إن الضغوط الأميركية على طهران ذات طابع اقتصادي أوسع، وتمتد تداعياتها إلى قطاعات وسلع مختلفة.
ضمانات الملاحة لا التصريحات
يرى المتخصص في قطاع النفط والغاز محمد المبيضين أن غياب تسوية واضحة بين إيران والولايات المتحدة سيبقي حال عدم اليقين مسيطرة على السوق، مرجحاً تحرك الأسعار بين 80 و90 دولاراً للبرميل وفق مسار المفاوضات وضمانات الملاحة.
وأوضح أن توقف العمليات العسكرية أو الإعلان عن فتح المضيق لن يكونا كافيين لاستعادة الاستقرار، ما لم تتضح الصيغة النهائية للاتفاق وآليات حماية السفن ومنع تجدد الهجمات.
وأضاف أن عودة الملاحة لن تنهي الضغوط فوراً، إذ ستحتاج الدول المستهلكة إلى إعادة بناء الاحتياطات التي استخدمتها لكبح الأسعار، مما قد يوفر دعماً للطلب بعد انحسار التوترات.
وأشار إلى أن الدول الخليجية ستتجه على المدى الطويل إلى تعزيز خطوط الأنابيب والتخزين وطرق التصدير البديلة، لكن هذه المشروعات تحتاج إلى استثمارات كبيرة وأعوام من التنفيذ.
تذبذب واسع بلا اتجاه
يوضح رئيس قسم البحوث في "إيكويتي غروب العالمية" رائد الخضر أن سوق النفط لم يعد رهناً بمستويات العرض والطلب فحسب، بل بما يحمله مضيق هرمز يومياً من تهديدات وتصريحات وتحركات سياسية يصعب التنبؤ بها، في ظل جمود المواقف بين طهران وواشنطن.
وأشار إلى أن الانخفاض الحاد في حركة السفن لم يتحول إلى انفجار سعري كامل، إذ ظل "برنت" بين 84 و90 دولاراً، مدعوماً بالإفراج عن الاحتياطات الاستراتيجية ووجود خطوط سعودية وإماراتية تتجاوز المضيق جزئياً.
وأضاف أن عودة الملاحة الطبيعية ستضغط على الأسعار من خلال تراجع علاوة الأخطار وعودة الصادرات المتوقفة، لكن ثقة شركات الشحن والتأمين لن تُستعاد سريعاً بعد ارتفاع الأقساط وانسحاب بعض الشركات خلال الأزمة.
ورجح الخضر، في غياب اتفاق شامل وموثوق، استمرار التذبذب بين 80 و100 دولار للبرميل، محذراً من أن الإغلاق الكامل للمضيق قد يدفع الأسعار فوق 100 دولار، بينما قد يعيد اتفاق مستدام الأسعار إلى حدود 60 دولاراً في مرحلة أولى، مع زيادة الإنتاج وضعف الطلب.
سلامة الممرات وكلفة التأمين
ويرى الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي أن حجم الاحتياطات والطاقة الإنتاجية لم يعودا وحدهما العامل الحاسم، إذ أصبحت قدرة الدولة على إيصال النفط إلى المستهلك أكثر أهمية من عدد البراميل الموجودة تحت الأرض.
وأوضح أن تعطل ميناء أو خط أنابيب أو مضيق بحري يمكن أن يسحب ملايين البراميل من المعروض، حتى من دون تراجع الطاقة الإنتاجية المعلنة، مما جعل سلامة الممرات كلفة التأمين جزءاً رئيساً من التسعير.
وأشار إلى أن السوق تسعر احتمالين متناقضين، هما استمرار نقص الإمدادات وحدوث انفراج سياسي يعيد الكميات المتوقفة، ولذلك أصبح الخبر العسكري أو الدبلوماسي أحياناً أكثر تأثيراً من بيانات العرض والطلب.
ولفت الشوبكي إلى أن تراجع المخزونات يزيد حساسية السوق تجاه أي هجوم جديد، بينما يمنع ضعف الطلب الأسعار من الاستقرار طويلاً فوق 100 دولار.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية انكماش الطلب 1.6 مليون برميل يومياً خلال العام الحالي، في حين تتوقع منظمة أوبك نموه بنحو 580 ألف برميل يومياً.
3 مسارات للأسعار
أوضح الشوبكي أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار التقلبات بين 80 و100 دولار للبرميل، مع تمركز جانب كبير من التداولات ما بين 85 و95 دولاراً، ما دام التصعيد محدوداً والتسوية الشاملة غائبة.
ولفت إلى أن عودة الملاحة بصورة آمنة ومنتظمة، تزامناً مع انخفاض أقساط التأمين وعودة الصادرات المتوقفة، قد تدفع "برنت" إلى أقل من 80 دولاراً، لكن الأثر سيكون تدريجاً بسبب حاجة شركات الشحن إلى اختبار استدامة التفاهمات.
وفي المقابل، أشار إلى أن الإغلاق الكامل للمضيق أو استهداف منشآت إنتاج وتصدير رئيسة، تزامناً مع اضطرابات باب المندب وتراجع نشاط المصافي والصادرات الروسية، قد يؤدي إلى دفع الأسعار فوق 100 دولار للبرميل.
وأكد أن التدفقات الفعلية ستظل العامل الفاصل بين السيناريوهات، إذ لم تعد السوق تسعر ما تستطيع الدول إنتاجه فحسب، بل ما يمكنها تحميله ونقله وتسليمه بأمان.
اندبندنت عربية
المصدر:
http://mail.syriasteps.com/index.php?d=136&id=206940