سيرياستيبس
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة أنه في الظروف الطبيعية، قد تكون مهلة الـ 90 يوماً لاستبدال العملة كافية لاستبدال عملة بلد بأكمله، لكن في الظروف السورية الاستثنائية، الإجابة معقّدة.
واستعرض أستاذ الاقتصاد التحديات التي تجعل المهلة غير كافية وأهمها البنية التحتية المتضرّرة، إضافة للدمار الذي لحق بالكثير من فروع المصارف، ونقص الكوادر المؤهّلة، وانقطاع التيار الكهربائي، وضعف شبكات الاتصالات والإنترنت في العديد من المناطق، وهي كلها عوامل ستبطئ العملية بشكل كبير.
إضافة لصعوبة الوصول، إذ يوجد مناطق نائية أو كانت خارج سيطرة الدولة سابقاً، قد يصعب على سكانها الوصول إلى مراكز الاستبدال في الوقت المناسب.
ومن الأسباب برأي محمد، الثقة المحدودة حيث لا يزال قطاع كبير من المواطنين يفتقر للثقة الكافية بالجهاز المصرفي، مما قد يجعلهم يتلكؤون في التوجّه للاستبدال حتى اللحظات الأخيرة، مما يخلق ازدحاماً وضغطاً كبيراً على النظام عند نهاية المهلة.
وحول إمكانية ارتباك الأسواق في حال التمديد، قال: التمديد المعلن بوضوح، أي إذا أعلن المركزي قبل نهاية المهلة بأسبوعين مثلاً، بوضوح وشفافية، عن تمديد الفترة لظروف قاهرة، مع شرح الأسباب، فإن ذلك قد يُخفّف من حدة الارتباك، وبذلك تتقبل الأسواق التمديد إذا كان منطقياً ومخطّطاً له.
أما التمديد المفاجئ أو المتكرر، أي إن كان التمديد في اللحظات الأخيرة أو بشكل متكرّر من دون مبرر واضح، فإن ذلك سيكون مدمّراً للثقة، وسيشير إلى أن المصرف المركزي لم يخطّط للعملية بشكل جيّد، وقد يُشجّع البعض على المضاربة على العملة أو يؤدي إلى حالة من الترقّب الضار.
وقال أستاذ المصارف: بالنظر إلى التحديات الهائلة، من المحتمل جداً أن تشهد العملية تمديداً، والأهم من مدة الـ 90 يوماً نفسها، هو مصداقية التواصل مع الجمهور حول آلية وإطار زمني واضح ومرن في الوقت نفسه، فالتمديد المخطط له أفضل من الفشل بإنهاء العملية.
وأكد محمد أن خطوة استبدال 35 بالمئة من الكتلة النقدية التي أعلن عنها حاكم المركزي، تمثّل تدخلاً نقدياً هيكلياً بالغ الأهمية، بل يمكن وصفه بـ”عملية جراحية نقدية” ضرورية لاقتصاد سوري يعاني ندوباً عميقة، والنجاح في هذه العملية يتجاوز مجرد إصدار أوراق نقدية جديدة؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها وفرض سيادتها على أداة السيادة الأهم: النقد.
ويرى أن الرهان الأساسي لا يقع فقط على كفاءة الفريق التقني في المصرف المركزي، بل على قدرة المنظومة الاقتصادية بأكملها على استيعاب هذه التغييرات، والتحدي الأكبر الذي سيواجهه الحاكم وفريقه ليس في سحب 42 تريليون ليرة، بل في إدارة ما بعد الاستبدال: كيف نضمن ألا تتحوّل السيولة التي تم سحبها وإعادة ضخها إلى وقود لجولة تضخمية جديدة؟ وكيف نستثمر البيانات التي ستكشف عنها عملية الاستبدال لبناء نظام مالي أكثر شفافية وشمولية؟
وختم بالقول: في النهاية هذه الخطوة يمكن أن تكون حجر الأساس لانطلاقة نقدية جديدة تستعيد فيها الليرة السورية جزءاً من هيبتها، أو يمكن أن تتحوّل إلى فرصة ضائعة إذا لم ترافقها إصلاحات حقيقية على صعيد الإنتاج ومكافحة الفساد وإعادة بناء الثقة. والوقت وحده كفيل بإثبات ما إذا كانت هذه “الجراحة” قد نجحت في استئصال أسباب المرض، أم إنها كانت مجرد مسكن مؤقّت بانتظار عودة الأعراض بشكل أشد، والمطلوب الآن هو يقظة مستمرة، ومرونة في التطبيق، والتزام لا يتزعزع بهدف الاستقرار النقدي كمدخل للاستقرار الاقتصادي الشامل.
الوطن
|