سيرياستيبس :
تفرض الصعوبات الكبيرة التي يعانيها الاقتصاد السوري، متأثراً بالظروف العالمية الحالية "أولاً"، وتراجع الإيرادات وتراكم المشكلات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية على مدى سنوات طويلة من الحرب والحصار والعقوبات "ثانياً"، التعامل معها ضمن رؤية متكاملة تربط بين الاستقرار النقدي والمالي كمدخل لتطوير الاقتصاد السوري، وتنشيط الإنتاج، وإعادة تكوين رأس المال، وتحسين بيئة الاستثمار والأعمال، وتنمية التجارة الخارجية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ورفع كفاءة مؤسسات الدولة وأدائها.
وتحاول الحكومة السورية مسابقة الزمن لتلمس التعافي الاقتصادي وحصد نتائج رفع العقوبات والانفتاح الدولي على دمشق، مدركة أن المرحلة "الانتقالية" تفرض على الاقتصاد السوري متطلبات استثنائية في سرعة الاستجابة، وحسن ترتيب الأولويات، وكفاءة إدارة الموارد، وتعزيز الثقة، وتجنب القرارات المتعارضة أو قصيرة الأجل التي قد تعمق الاختلالات القائمة أو تؤخر مسار التعافي وإعادة البناء.
في المقابل، يركز اقتصاديون سوريون على ضرورة أن تسرع الحكومة السورية بوضع سياسات مالية ونقدية متكاملة وشمولية، باعتبارها المدخل للنهوض الاقتصادي في المرحلة الانتقالية، وحيث لا يمكن تحقيق أي نهوض من دون وجود سياسات مالية ونقدية قوية ومواكبة.
معالجة الاختلالات الاقتصادية تبدأ من إصلاح السياسات المالية والنقدية
تشدد "جمعية العلوم الاقتصادية السورية" في توصيات قامت بوضعها أخيراً لمستقبل الاقتصاد السوري، على أن السياسات المالية والنقدية تشكل المحرك الحقيقي للتعافي الاقتصادي الذي تتطلع إليه سوريا، كما أنها تشكل اللبنة الأهم في المرحلة الانتقالية، في بلد يبحث عن خلاصه وسط أنقاض الحرب.
الخبير الاقتصادي وأمين سر "جمعية العلوم الاقتصادية السورية" فؤاد اللحام، أكد أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا حالياً، تتطلب معالجة الاختلالات الاقتصادية التي تبدأ من إصلاح السياسات المالية والنقدية، لا من حلول ترقيعية، مشدداً على أن "الشفافية المالية" هي بوابة الثقة وأداة التخطيط، وأن الإصلاح بلا تنفيذ ومتابعة يبقى "حبراً على ورق".
اللحام بين في حديث لـ"اندبندنت عربية" أن الهدف الأهم للسياسات المالية والنقدية يتجلى بإعادة تأهيل القطاع المصرفي العام والخاص بصورة مرحلية، من خلال تقييم مستقل لجودة أصول المصارف، ومعالجة الديون المتعثرة، ورفع مستويات الحوكمة وإدارة الأخطار، وتطوير أنظمة الدفع والائتمان، وتعزيز الرقابة المصرفية، بالتوازي مع تسريع التحول الرقمي في القطاع، مؤكداً أن المصارف لا ينبغي أن تبقى مجرد مؤسسات لإدارة السيولة والودائع، بل يجب أن تستعيد دورها الطبيعي كأداة لتمويل النشاط الاقتصادي والاستثمار والإنتاج، وهو ما يتطلب معالجة الاختلالات المتراكمة في القطاع وتهيئة بيئة مصرفية أكثر أماناً وكفاءة وقدرة على الوصول إلى الاقتصاد الحقيقي.
المتخصص السوري شدد على أهمية أن تكون السياسة النقدية واضحة، وانتقالها من الإدارة الآنية إلى إطار معلن ومتدرج يحدد أهداف مصرف سورية المركزي وأدواته، بما يشمل سعر الفائدة والاحتياط الإلزامي وإدارة السيولة وعمليات السوق المفتوحة، بأولوية لاستقرار الأسعار وتعزيز استخدام الليرة في الادخار والتمويل والتبادل، ضمن خطة انتقالية مرتبطة بإعادة تأهيل القطاع المصرفي، وفق برنامج مرحلي لإعادة هيكلة المصارف العامة والخاصة، يشمل تقييماً مستقلاً لجودة الأصول، ومعالجة الديون المتعثرة، ورفع الحوكمة وإدارة الأخطار، وتطوير أنظمة الدفع والائتمان والرقابة، وتطوير البنية الرقمية، تمهيداً لدور فاعل في تمويل الاستثمار.
اللحام أكد أن الإصلاح المالي يشكل أولوية ويتم من خلال تأسيس منظومة متكاملة للشفافية وإدارة الموارد المالية العامة، بحيث تصبح البيانات المتعلقة بالموازنة العامة وفرضيات إعدادها، والتنفيذ الفعلي للإيرادات والنفقات، والدين العام والضمانات الحكومية، والعمليات والصناديق والمؤسسات والشركات العامة، متاحة بصورة دورية ومنظمة وبصيغة رقمية قابلة للقراءة والتحليل، مشيراً إلى أن الشفافية المالية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد نشر أرقام ووثائق، وإنما كأداة أساسية لتحسين كفاءة الإدارة الحكومية، لأنها تتيح معرفة أين تذهب الموارد العامة، وكيف توزع بين القطاعات والمناطق، وما هي الأولويات التي يجري تمويلها، ومن أين تأتي مصادر التمويل، كما تساعد في اكتشاف الاختلالات والأخطار قبل تحولها إلى أزمات.
ولفت اللحام إلى أهمية وضع معايير واضحة ومعلنة لتوزيع الموارد والتحويلات بين المناطق، بحيث لا يكون التوزيع قائماً على اعتبارات غير واضحة، بل يأخذ في الحسبان عدد السكان، ومستويات الفقر، وحجم الضرر، وكلفة تقديم الخدمات، مع إعطاء المحافظات دوراً حقيقياً في تحديد أولويات الاستثمار العام، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن التنموي بين المناطق.
أبعد من زيادة الإيرادات.. تحسين تحصيلها
في الجانب الضريبي، شدد أمين سر "جمعية العلوم الاقتصادية السورية" على ضرورة إعادة النظر بصورة شاملة في النظام الضريبي، باتجاه نظام أكثر عدالة وكفاءة في تعبئة الموارد العامة، موضحاً أن المطلوب ليس فقط زيادة الإيرادات، وإنما تحسين طريقة تحصيلها وتوزيع عبئها. كما قال إن الإصلاح الضريبي ينبغي أن يركز على تعزيز تحصيل الضرائب المباشرة، ومراجعة شرائح وإعفاءات ضريبة الدخل، بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والسعرية، وزيادة مساهمة الأنشطة والأرباح ذات القدرة التكليفية الأعلى، بالتوازي مع تخفيف الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية، التي قد تنعكس في نهاية المطاف على المستهلك والأسعار، مؤكداً أن أي توجه نحو إدخال ضرائب جديدة على المبيعات أو توسيع نطاق ضريبة القيمة المضافة يجب ألا يتم بمعزل عن الواقع المعيشي، بل يسبقه تقييم واضح لتأثير هذه الضرائب في الأسر والأنشطة الاقتصادية، مع اتخاذ إجراءات تحمي الفئات الأكثر تضرراً، حتى لا يتحول الإصلاح المالي إلى زيادة إضافية في الأعباء المعيشية.
أما في ما يتعلق بالسياسة النقدية، فرأى اللحام أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الإدارة النقدية الآنية إلى إطار واضح ومعلن ومتدرج للسياسة النقدية، يحدد أهداف مصرف سورية المركزي وأدواته وآليات استخدامها، بما في ذلك أسعار الفائدة، والاحتياط الإلزامي، وإدارة السيولة، وعمليات السوق المفتوحة.
وأشار إلى أن الهدف الأساس يجب أن يتمثل في استقرار الأسعار وتعزيز الثقة بالليرة السورية، بحيث تستعيد العملة المحلية دورها في الادخار والتمويل والتبادل، مؤكداً في الوقت ذاته أن فعالية السياسة النقدية لا يمكن فصلها عن واقع القطاع المصرفي، مما يجعل الإصلاح النقدي والمصرفي مسارين متلازمين لا يمكن التعامل مع أحدهما بمعزل عن الآخر.
واقع مالي ونقدي صعب.. وشفافية غائبة؟
يبدو الاقتصاد السوري بحسب المصرفي السوري لؤي عبيد وكأنه يسير بلا رؤية، ولا خطة، ولا تنسيق بين الوزارات والمؤسسات المالية والنقدية، في وقت تفر فيه السيولة النقدية من المصارف إلى المنازل والذهب والدولار، مؤكداً لـ"اندبندنت عربية"، أنه لا يمكن الحديث عن تطوير السياسات المالية والنقدية قبل معرفة هدف الحكومة ورؤيتها للمرحلة المقبلة. ورأى عبيد أن السياسات ليست غاية قائمة بذاتها، بل أدوات لتحقيق رؤية، وبلا رؤية تبقى الأدوات معطلة، فمصرف سوريا المركزي يملك أدواته التقليدية الثلاث، لكنها "غير مستخدمة بالكامل"، والأخطر أن حجم السيولة المتداولة خارج القطاع المصرفي يتجاوز 90 في المئة، وحتى بعد تبديل العملة، لم تتغير المعادلة، فتبديل العملة سحب السيولة وغير صورة النقد، لكنه لم يخلق ثقة بالقطاع المصرفي، فالمدخرات ما زالت تحفظ في المنازل أو بأدوات تحوط مثل الذهب والدولار، كما أن سعر الصرف الحالي غير منطقي.
المختص السوري أكد أن المشكلة تكمن في غياب الشفافية، فهناك تدفقات دولارية لكنها غير معلنة، وهي التي تحافظ على استقرار السعر، والأرقام لا ترحم، فالمستوردات في 2025 تقدر بنحو 6 مليارات دولار، أي ما يعادل 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما الصادرات لا تصل إلى مليار دولار، والاستثمارات لم تتحرك نحو التنفيذ والتحويلات بدأت تقل، وما تلقته البلاد بعد قدوم الإدارة الجديدة "ليس مستداماً، ولضمان سعر صرف الدولار، فإنه يتطلب احتياطات دولارية، ولن تأتي إلا عبر التصدير أولاً، تقليل الاستيراد ثانياً، ثم الاستثمار الأجنبي المباشر والنشاط السياحي غير الريعي"، وهذا كله "يتابع المصرفي السوري" حديثه، يحتاج إلى امتلاك البلاد لسياسات مالية ونقدية قادرة على دفع الاقتصاد المحلي إلى الأمام وتمكينه من امتلاك أدوات النهوض والتعافي، مشيراً إلى أهمية الحراك الذي تقوم به وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي لاستكمال عملية الاندماج بالاقتصاد العالمي وتحقيق متطلبات الامتثال المالي الدولي، وتحرير المصارف السورية من العقوبات بصورة كاملة، بمعنى تحقيق تطور مصرفي قابل لإجراء التحويلات عبره من دون أي عراقيل، ولكن نجاح كل ذلك مرتبط بما تفعله هذه الإدارات داخل البلاد لجهة صياغة السياسات المحفزة والمشجعة والداعمة لإقامة نظام مالي متطور على مستوى الإيرادات والإنفاق وطريقة إعداد الموازنة وتمويلها، إلى جانب تأسيس نظام ضريبي متوازن وسلم رواتب وأجور مناسب، وكل ذلك بصورة مترافقة مع بناء نظام مصرفي قوي، وقادر على أن يكون شريكاً حقيقياً ورئيساً في عملية التنمية والنهوض الاقتصادي.
الاقتصاد النقدي للبدء بالإصلاحات المالية والنقدية
يرى اقتصاديون سوريون أن الاقتصاد النقدي يشكل مدخلاً مهماً وضرورياً للبدء بالإصلاحات المالية والنقدية التي تشكل جوهر نهوض الاقتصاد السوري، وهو ما يذهب إليه المستشار والمدرب في العلوم الاقتصادية ومدير غرفة تجارة دمشق عامر خربوطلي، مؤكداً أن تطبيقات الاقتصاد النقدي تشكل مساراً لا يمكن تجاهله عند إصلاح السياسات المالية والنقدية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيراً إلى أن تطبيقات الاقتصاد النقدي لم تنل حظها بالصورة الكافية في سوريا حتى الآن، وكانت جل التطبيقات خارجة عن السياق العام لهذا الاقتصاد، ولم تؤد أية سياسات اقتصادية نقدية لتحقيق أهداف الاقتصاد الكلي في كبح جماح التضخم والحفاظ على استقرار سعر الصرف وتشجيع حركة التشغيل والادخار المحلي ومن ثم توجيهها نحو الاستثمارات بجميع أشكالها، التي تعتبر بالنهاية محرك النمو الاقتصادي السوري، وبالتالي زيادة الناتج المحلي والإجمالي والفردي، وتحقيق الهدف الأسمى لعلم الاقتصاد والمتمثل في تحسن مستوى المعيشة وخلق فرص العمل وتحقيق التطور.
المستشار السوري أكد أن الحكومة السورية تمتلك فرصة مهمة وعليها استغلالها، لتفعيل أدوات السياسة النقدية، بما يمكنها من تحقيق أهداف اقتصادية في إطار حركة جديدة لاقتصاد جديد برؤية عصرية، لافتاً إلى أن الاقتصاد السوري يقف حالياً على مفترق طرق حاسم، إذ تلوح في الأفق فرص واعدة للانتعاش، لكنها تواجه تحديات ليست بسيطة تعود لجذور عميقة ألقت بظلالها خلال سنوات طويلة، واليوم يبدو أن من الواضح وجود بوادر انفراجات اقتصادية كبيرة من خلال نشاط دولي وعودة قوية للأسواق العالمية، إذ شهد معرض دمشق الدولي، على سبيل المثال، مشاركة شركات من نحو 60 دولة، مما يعكس اهتماماً متجدداً بفرص إعادة الإعمار.
وعادت شركتا "فيزا" و"ماستركارد" لإجراء معاملات دولية في سوريا للمرة الأولى منذ أكثر من 15 عاماً، وهي خطوة مهمة لإعادة الربط بالمنظومة المالية العالمية، إضافة إلى الشروع في تنفيذ برنامج إصلاح نقدي ومالي مهم، إذ أنهى مصرف سوريا المركزي في عام 2026 استبدال العملة الوطنية بأخرى جديدة، بهدف استعادة الاستقرار وثقة السوق بعد سنوات من التضخم وانخفاض قيمة الليرة، وهناك توقعات محلية ودولية مهمة وذات صدقية أن يحقق النمو الاقتصادي معدلات جيدة.
ولكن، وعلى رغم ذلك، يرى خربوطلي أن الواقع الاقتصادي ما زال حذراً على رغم التحسن النسبي وعلى رغم رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إذ يشعر الأفراد وهم عادة "باروميتر" الاقتصاد بأن التحسن لم يصل إلى جيوبهم بعد، على رغم وجود ملموس للشركات الأجنبية التي من المتوقع أن تأتي بفرص عمل جديدة.
والسبب يعود لأن التعافي عادة حالة "تراكمية" ويحتاج إلى زمن ليبدأ لتحقق النمو المطلوب، ويعود ذلك لأسباب عديدة، منها محدودية التمويل والسيولة وتهالك البنى التحتية، والأهم وجود تحديات مصرفية ولوجستية مختلفة، إذ لا تزال بعض المصارف والمؤسسات الدولية تواجه صعوبات في التعامل مع السوق السورية.
اندبندنت عربية


