سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:12/10/2026 | SYR: 02:49 | 12/10/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 فجوة التعليم في سوريا , التهديد الخفي للسلم الأهلي
ياسر أسعد : طفلٌ واحد يعود إلى مقعده اليوم هو وطنٌ يُبنى غدًا ..
12/10/2026      






في مقاله الإسبوعي لموقع " سيرياستيبس " يكتب المهندس ياسر أسعد في عمق قضية , تكاد تكون من أخطر ما يهدد المجتمع السوري , ومن أشد ما يلحق بعدد ليس بالقليل من الأطفال ومن هم بعمر يفترض أن تكون مقاعد الدراسة توجههم اليومي ,  وليست الورش والشوارع والحقول وغيرها من أماكن عمل تسرق طفولتهم وصحتهم والأهم تسرق عمرهم ومستقبلهم  , والأصعب تحولهم الى مشكلة مستعصية في بلد ينشد سلمه الأهلي و تعافيه الاقتصادي والاجتماعي .. 
مقال جديد بالقراءة والاهتمام عند أولي الأمر وعند المجتمع ككل   



 
سيرياستيبس 
كتب المهندس ياسر علي أسعد

في  جرمانا ، يمرّ الناس كل صباح أمام مشهد صار مألوفًا , أطفال في عمر الزهور يغوصون بأيديهم الصغيرة في حاويات القمامة، يفرزون البلاستيك والمعادن ليبيعوها بثمن بخس , والأخطر من المشهد أننا بدأنا نمرّ به دون أن نتوقف.
بينما يعبر أطفال سوريا الحره عتبات مدارسهم حاملين أحلامهم وحقائبهم في مشهد يوحي باستمرار الحياة ، هناك وجه آخر يختصر مأساة جيل كامل , طفل ينبش النفايات بحثاً عن لقمة عيش , وآخر يصارع قسوة الشمس في الحقول , وثالث محاط بزيوت السيارات وحديد الورش المظلمة , ورابع يمد يده على الأرصفة مستجدياً عطف المارة , هذا التفاوت الصارخ بين أطفال السوريين ليس مجرد مشهد عابر بل هو التجسد الأوضح لفجوة عميقة تنذر بضياع مستقبل جيل بأكمله.

أطفال طحنتهم  الحياة باكراً  
 
 الأرقام تؤكد ما تراه العين , فبحسب اليونيسف لا يزال 2.45 مليون طفل في سوريا خارج المدرسة , ومدرسة من كل ثلاث مدارس ما زالت غير صالحة للاستخدام، فهي مدمَّرة أو متضررة أو محوَّلة إلى مأوى للنازحين , وتقدّر المنظمة أن ملايين الأطفال يحتاجون إلى مساعدة إنسانية , وتحذّر من أن الطفل خارج المدرسة أشدّ عرضة لعمالة الأطفال وزواج القاصرات , أي أن مشهد الحاوية في جرمانا نموذج مصغّر لرقم يتجاوز المليونين.

ورث أطفالنا سنوات حرب دمرت بيوتهم ومدارسهم وأمانهم وأحلامهم , وبعد التحرير تركه إقتصاديه ثقيلة لم تحول فرحهم الى حياه كريمه مستقره , وفي غياب سياسات واضحه دفع الفقر وعجز العائلات عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشه وتكاليف المستلزمات المدرسيه وخروج ألاف المدارس عن الخدمه بسبب الدمار وهجره أعداد كبيره من المعلمين نتيجه ضعف الرواتب وإنعدام الاستقرار , الاف العائلات الى تحويل أطفالها من متعلمين إلى معيلين .
صحيح أن جمعيات ومنظمات كثيرة تعمل بصدق وتنقذ ما تستطيع , ونحن ندين لها بالتقدير , لكن الإنصاف يقتضي أن نسأل أيضًا عن أموال تُنفق على مؤتمرات وندوات وحفلات إطلاق مشاريع , غايتها الظهور الإعلامي أكثر من الأثر , فالطفل الذي ينبش القمامة لا يحتاج إلى «ورقة سياسات» بقدر ما يحتاج إلى حقيبة ومقعد ووجبة ساخنة , وكل مبلغ يُصرف على المنصّة يصرف على حساب هذا الطفل.

  وزارة التربية، وهي المعنية الأولى , يبدو أن جلّ انشغالها حاليا هو نقل المدرسين وتسريحهم وإعادة توزيعهم وتغيير أسماء المدارس ، وفي إبراز ترميم مدرسة هنا أو هناك رغم أن غيرها من قام بالعمل , والترميم عمل مشكور , لكنه ليس خطة , والسؤال الجوهري ليس كم مدرسة رُمّمت بل كم طفلًا عاد إلى الصف وكم طفلًا ما زال خارجه ولماذا , فالوزارة التي لا تملك إحصاءً دقيقًا لطلابها خارج المدرسة لا تستطيع معالجة مشكلتهم.

دور أساسي لوزارة الشؤون

في قلب هذه المأساة , تقف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الجهة الرسمية المسؤولة قانونياً عن ضبط سوق العمل ورعاية الفئات الهشة , بدورها الغائب أو المعطل بمظهر يثير الكثير من التساؤلات , فالأدوار المنوطة بها واضحة , بدءاً من تفعيل فرق التفتيش الصارم على الورش والمصانع لحماية الأطفال من الاستغلال، مروراً ببناء شبكة أمان اجتماعي تقدم بدائل نقدية أو عينية للأسر الفقيرة مقابل بقاء أطفالهم في المدارس , وصولاً إلى توسيع مظلة مراكز الرعاية وإعادة التأهيل , غير أن الوزارة تبدو اليوم عاجزة ومُحجمة عن أداء هذه المهام الجسام، وتتذرع بشح في الموارد المالية والإدارية , وضعف القدرات الرقابية , بسبب اتساع نطاق الاقتصاد الخفي وغير الرسمي الذي تعمل في ظله آلاف الورشات بعيداً عن أعين الرقابة , وتكتفي بإدارة الأزمات الطارئة وحضور ندوات ومؤتمرات واعداد قانون لمراقبه الجمعيات الأهليه بدلاً من تقديم حلول جذرية، لتبقى حماية أطفال السوريين معلقة بين نصوص قانونية معطلة وواقع اقتصادي قاسٍ.
 
الحل بسيط , يجب إجراء مسح وطني شامل لأعداد الأطفال خارج التعليم وأسبابها , يُنشر علنًا فلا علاج دون تشخيص , وإعداد مسارات تعليم مرنة للأطفال الذين فاتتهم سنوات الدراسة , كالتعليم المسرَّع وصفوف المساء والمناهج التعويضية , وربط الدعم بالتعليم، عن طريق منح الأسر الأشد فقرًا مساعدة نقدية أو غذائية مشروطة ببقاء أبنائها في المدرسة , لأن الأسرة التي تعيش على ما يجنيه طفلها لن تتخلى عنه بالمواعظ والندوات , وتفعيل القوانين التي تمنع تشغيل الأطفال والأحداث ومحاسبة أصحاب الورش والمزارع المستغلين , مع بدائل تحمي الأسر ولا تعاقبها , وكتابه ميثاق شرف للمنظمات والجمعيات , تنشر بموجبه ميزانياتها ونسبة ما يصل فعليًا إلى المستفيدين، وتوجيه الأموال إلى الميدان قبل المنابر وإشراك المجتمع المحلي، من بلديات وأهالٍ ومتطوعين ومعلمين متقاعدين، في إعادة الأطفال إلى المدارس حيًّا بحيّ وقريهًّ بقريه .
 
دور مجتمعي كامل ومتكامل
 

نتمنى، من كل السوريين أن يكون لهم دور في هذه المحنة , وخصوصا طلاب كليات التربية في جامعاتنا، الذين تعلّموا كيف يُبنى الإنسان , إجعلوا علمكم جسرًا يعبر عليه هؤلاء الأطفال إلى الصف. ما أجمل أن يتحول بعضكم إلى متطوع في صفوف مسائية تعويضية في حيّه، يعلّم طفلًا حرفًا ضاع منه ويعيد إليه ثقته بنفسه.
ونرجو على علمائنا ورجال الدين، ومن منابرهم يصل الصوت إلى كل بيت، أن يذكّروا الناس بأن طلب العلم فريضة، وأن الطفل أمانة في أعناقنا سنُسأل عنها , وأن يقولوا للآباء والأمهات بلطف يليق بجراحهم , لا تحرموا أبناءكم من المدرسة فالفقر الذي يدفعكم إلى ذلك مؤلم لكن الجهل الذي يُورَّث أشدّ إيلامًا , وأن يوجّهوا القادرين إلى كفالة الأسر المتعففة, لتتحرر يد الطفل من القمامة وتمسك قلمًا


السلم الأهلي  يبدأ من حيث يضيع أطفالنا 

لا يمكن فصل أزمة التسرب المدرسي وعمالة الأطفال عن السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي , فعندما يُحرم طفل اليوم من حقه في التعليم والاندماج في بيئة مدرسية آمنة تحتضن التنوع وتزرع قيم المواطنة، فإنه يُدفع قسراً نحو بيئات الهامش والتهميش , إن غياب المدرسة كأهم مؤسسة دامجه للمجتمع يخلق تداعيات خطيرة على النسيج الاجتماعي والأطفال المحرومون من التعليم والمعرفة المنفتحة يصبحون أكثر عرضة للتأثر بالخطابات الإقصائية , مما يضعف شعور الانتماء الوطني الجامع لصالح العصبيات الضيقة والفراغ والجهل والفقر المدقع تجعل من الطفل الصيد الأسهل لشبكات الجريمة المنظمة أو الجماعات المتطرفة , مما يهز الأمن المجتمعي من أساسه والتفاوت الصارخ بين أطفال ينعمون بالتعليم وأطفال تُسرق طفولتهم يولد شعوراً عميقاً بالغبن والظلم الاجتماعي ، وهو ما يمثل وقوداً كامناً لأي توترات مستقبلية .


إن حماية السلم الأهلي لا تقف عند حدود الاتفاقيات السياسية والامنية، بل تبدأ من الشارع والورشة وحقول العمل حيث يضيع أطفالنا , واستمرار هذه الكارثه ليس مجرد أزمة إنسانية بل هو تهديد استقرار المجتمع السوري بأكمله , فإما أن نستثمر في تعليم طفل اليوم لنبني وطناً معافى , أو ندفع ثمن جاهليته غداً ضياعاً وخراباً .
الطفولة لا تنتظر , كل عام يمرّ على طفل خارج المدرسة هو عام يُسرق من عمره ومن مستقبل سوريا الحره , فمن يشبّ اليوم على القمامة والتسوّل لن يبني غدًا وطنًا , وإعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالإسمنت، بل بمقعد دراسي لطفل يقف الآن عند حاوية .
 أيها السوريون ، طفلٌ واحد يعود إلى مقعده اليوم هو وطنٌ يُبنى غدًا، فليكن كل واحد منّا، بما يستطيع، سببًا في ذلك.



طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس