سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:29/05/2026 | SYR: 18:07 | 29/05/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير
TopBanner_OGE



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


qnbrepated

 الماء والأمن والسلم الأهلي .. الملف الأخطر أمام سوريا الجديدة
المهندس ياسر أسعد : المياه التي نهدرها … سنفتقدها غداً, والأحواض التي ُتستَزنف ليست ملكا لجيل واحد
29/05/2026      




إن أخطر ما في أزمة المياه السورية أنها لم تعد أزمة بيئية فحسب , بل تحولت إلى قضية عدالة اجتماعية وسلم أهلي , فحين يشعر سكان قرية فقيرة أن مياههم تُستنزف لصالح أصحاب النفوذ وجيرانهم الأثرياء أو المشاريع الكبرى، يبدأ الإحساس بالغبن بالتراكم، وتتحول الموارد الطبيعية إلى مصدر توتر اجتماعي ومناطقي 


 

يلامس المهندس ياسر أسعد في مقاله الجديد لسيرياستيبس واحدا من أهم ملفات التي تواجه سوريا وأكثرها حساسية وخصوصية , وحاجة للتعامل معها بالمستوى الأعلى من الاهتمام و المعالجة .. واللافت كان في ربطه لملف نقص المياه الذي تعاني منه سوريا بتحقيق السلم الأهلي , مقال جدير بالقراءة

كتب المهندس ياسر أسعد خاص لسيرياستيبس  

لم تعد أزمة المياه في سوريا مجرّد ملفٍ خدمي يُناقَش في أروقة الوزارات، بل تحوّلت إلى قضية أمن وطني تهدّد الزراعة والاستقرار الاجتماعي وفرص إعادة الإعمار معاً. فبلدٌ كان يُعرف تاريخياً بخصوبة أرضه وتنوّع موارده المائية، يقف اليوم أمام خطر استنزاف خزاناته الجوفية بوتيرة غير مسبوقة، نتيجة تداخل الجفاف والتغيّر المناخي مع سوء الإدارة وغياب الرقابة.

الأرقام وحدها تكفي لإظهار حجم الكارثة , فقبل الحرب كان في سوريا أكثر من 180 ألف بئر, أكثر من نصفها غير مرخّص, فيما سجّلت البلاد عجزاً مائياً سنوياً قُدّر بنحو مليار ونصف مليار متر مكعب بين عامي 2001 و2011. كما انخفض هطول الأمطار في بعض المناطق بنسبة وصلت إلى 25% منذ منتصف التسعينيات، وتراجع تدفق نهر الفرات بنحو 40% مقارنة بعام 1972، في وقت تعتمد فيه الزراعة السورية بنسبة تقارب 60% على المياه الجوفية، بينما تؤمّن هذه المياه نحو 40% من مياه الشرب
 .
حين تجفّ الآبار، تختفي المياه وتتبخر معها الأحلام وتبدأ دوامة الفقر والنزاعات والهجرة وتآكل الاستقرار الاجتماعي , فالمشكلة في سوريا لم تعد مرتبطة بالجفاف وحده بل بطريقة التعامل مع المورد المائي نفسه, سنوات طويلة من الحفر العشوائي والاستنزاف غير المنظّم جعلت الخزانات الجوفية تُستهلك أسرع بكثير من قدرتها الطبيعية على التجدد , ومع انتشار أنظمة الطاقة الشمسية منخفضة التكلفة بات ضخ المياه من الأعماق يتم بلا أي كلفة تشغيلية تقريباً, ما أدى إلى تسارع غير مسبوق في استنزاف المياه الجوفية خصوصاً في المناطق الزراعية شمال وشرق البلاد , وهنا تكمن المفارقة الخطيرة فالتكنولوجيا التي كان يُفترض أن تساعد السوريين على تجاوز أزمة الطاقة، تحوّلت — في غياب التنظيم — إلى أداة تُسرّع استنزاف الثروة المائية

 القلمون انموذج للوجع المائي 
 
ولعلّ منطقة القلمون تقدّم واحدة من أكثر الصور إيلاماً لما يمكن أن يفعله الاستنزاف المائي غير المنضبط حين يترافق مع الجفاف وسوء الإدارة , فمدنٌ يبرود والنبك وما حولهما لم تكن يوماً مناطق عطشى , بل عاشت لعقود طويلة على منظومة مائية طبيعية شكّلت أساس الزراعة والاستقرار والحياة الاجتماعية في المنطقة وفي قلبها كانت تقف بحيرة قرينا — أو نبع قرينا — في يبرود , التي شكّلت لعقود المصدر الرئيسي لمياه الشرب وري الأراضي الزراعية عبر نظام ريّ تقليدي فريد يُعدّ من أقدم أنظمة توزيع المياه المحلية في سوريا , وكانت البحيرة تمثّل معْلماً سياحياً وطبيعياً واقتصادياً يرتبط بذاكرة أهالي القلمون وكان منظر دواليب الهواء التي تستخدم لتشغيل الابار متعه للمسافرين على طريق السفر المار بالمنطقه .
لكن منذ أواخر ستينيات القرن الماضي ،انخفضت غزارة الينابيع عاماً بعد عام، وبدأ منسوب المياه السطحية بالتراجع وأخذت البحيرة تفقد حياتها شيئاً فشيئاً، وتعطّل نظام الري التاريخي الذي كان يغذّي البساتين والحقول المحيطة بسبب سنوات الجفاف المتكررة وتراجع معدلات الأمطار و التوسع في حفر الآبار الارتوازية العميقة , التي وصل بعضها إلى مئات الأمتار, دون وجود إدارة مائية مستدامة أو رقابة حقيقية على معدلات الضخ ومع ازدياد عدد السكان وتوسّع النشاط الزراعي , ارتفع الطلب على المياه بوتيرة أسرع بكثير من قدرة الطبيعة على التعويض فانخفضت مناسيب الينابيع السطحية وجفّت مصادر تاريخية كانت تُعتبر جزءاً من هوية القلمون نفسها , واضطر السكان للاعتماد بشكل متزايد على الآبار الجوفية مما سرّع استنزاف الخزان المائي أكثر فأكثر، ودفع المنطقة إلى حلقة مفرغة من التراجع المائي في ظل غياب كامل للحكومه وتغاض من البلديات والمجتمع الأهلي . 
قصة القلمون هي درس لما يمكن أن تواجهه مناطق سورية أخرى إذا استمر التعامل مع المياه الجوفية بوصفها مورداً لا ينضب. فما حدث لم يكن حادثة محلية معزولة، بل إنذاراً مبكراً لكارثه وطنية تتوسع . 

حفارات قضمت القانون

 ورغم وجود تشريعات واضحة، أبرزها قانون المياه رقم 31 لعام 2005 الذي يجرّم حفر الآبار المخالفة ويعاقب عليها بالغرامة والحبس ومصادرة المعدات , فإن المشكلة الحقيقية بقيت دائماً في ضعف التنفيذ وتفاوت في تطبيق القانون على السوريين والفساد المستشري .
فخلال سنوات الحرب، انتشرت الحفارات بشكل واسع, وتحولت بعض المناطق إلى ساحات استنزاف مفتوح للمياه الجوفية , بينما بقيت أجهزة الرقابة عاجزة أو غائبة, وحتى حين بدأت الحكومه بتشديد الإجراءات ومنع الإفراج عن الحفارات المصادرة قبل صدور الأحكام القضائية , بدا الأمر وكأنه محاولة متأخرة لمعالجه أزمة خرجت عن السيطرة , والأخطر من غياب الرقابة هو غياب العدالة في تطبيقها وتحول السلطات المحليه من حارسٍ للمصلحة العامة إلى شريكٍ في تكريس الظلم الاجتماعي .
من أكثر الحلول العملية والملحّة التي يطرحها الخبراء اليوم، تركيب عدادات رقمية على جميع الآبار، سواء المرخّصة أو المخالفة , فالعدّاد لا يعرف الواسطة ولا النفوذ، بل يقيس الكمية المضخوخة بدقة ويحوّل إدارة المياه من الفوضى إلى الحوكمة القائمة على البيانات , هذا النظام، المطبق في دول تعاني ظروفاً مناخية مشابهة مثل الأردن والمغرب وإسبانيا، (وتم تطبيقه في سوريا بعد التحرير على المنشأت الصناعيه ) , مع تسعير تصاعدي عادل للمياه لكمية أساسية مساويه للمقنن المائي بما يتوافق مع المساحه ونوع الزراعه , مقابل رفع تدريجي على الاستهلاك المرتفع والاستنزافي, فالمياه ليست سلعةً مجانية متوفره بل مورد نادر يجب أن يُدار بعدالة ومسؤولية .

ضياع المياه بالمجان 

في سوريا لا تزال مساحات واسعة تُروى بطريقة الغمر التقليدية, وهي من أكثر أساليب الري هدراً للمياه , إذ تضيع نسبة كبيرة منها عبر التبخر والتسرّب والجريان السطحي , من الواجب على الحكومه التحول الفوري نحو الري الحديث بالتنقيط والرش وفق برنامج وطني متكامل يشمل إصدار القوانين الملزمه مع دعم حكومي للمعدات , وتدريب ميداني للمزارعين ومساعدتهم فنيا وماليا بالخبراء والقروض الميسره وربط منح أوتجديد تراخيص الآبار بالالتزام بأساليب الري الحديثة , إلى جانب حملات توعية مجتمعية واسعة لترسيخ ثقافة ترشيد المياه والحد من الهدر مع الحفاظ على الإنتاج الزراعي .
الأزمة لا تتعلق فقط بطريقة الري، بل أيضاً بنوعية المحاصيل المزروعة , فالإصرار على زراعة محاصيل شديدة الاستهلاك للمياه في مناطق جافة بات يشكل تهديداً مباشراً للخزانات الجوفية, في المقابل تمتلك سوريا ثروة من النباتات المحلية القادرة على التكيف مع المناخ الجاف مثل الزيتون والتين الشوكي والزعتر واللوز والرمان والشعير البعلي والعدس والحمص وهي محاصيل أقل استهلاكاً للمياه وأكثر انسجاماً مع البيئة السورية , وهنا يبرز دور الحكومه في إعادة رسم الخريطة الزراعية الوطنية على أساس “الأمن المائي” لا “الأمن الغذائي”، بحيث تصبح كفاءة استخدام المياه معياراً أساسياً في دعم المحاصيل وتوجيه السياسات الزراعية .

من أزمة إلى قضية عدالة اجتماعية

إن أخطر ما في أزمة المياه السورية أنها لم تعد أزمة بيئية فحسب , بل تحولت إلى قضية عدالة اجتماعية وسلم أهلي , فحين يشعر سكان قرية فقيرة أن مياههم تُستنزف لصالح أصحاب النفوذ وجيرانهم الأثرياء أو المشاريع الكبرى، يبدأ الإحساس بالغبن بالتراكم، وتتحول الموارد الطبيعية إلى مصدر توتر اجتماعي ومناطقي .
التاريخ يثبت أن الجفاف وحده لا يشعل النزاعات، لكنه كثيراً ما يكون الشرارة التي تكشف هشاشة العدالة داخل المجتمعات , ولهذا فإن العدالة المائية — أي التوزيع العادل للمياه وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء — ليست ترفاً بيئياً، بل أحد الشروط الأساسية لبناء استقرار دائم في سوريا الحره .
إنقاذ المياه الجوفية في سوريا لم يعد يحتمل التأجيل، على الحكومه اطلاق مسار وطني واضح يبدأ بتركيب العدادات على جميع الآبار، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة، وتشديد الرقابة الميدانية ودعم التحول إلى الري الحديث وتأسيس مجالس مائية محلية تشارك فيها البلديات والمزارعون والمجتمع المدني والمرأة الريفية, والإستفاده من الدعم الدولي بالتشارك مع منظمات الأمم المتحدة والإتحاد الأوربي للوصول الى شراكة دولية حقيقية تجعل إدارة المياه أولوية ضمن برامج إعادة الإعمار .
ما تحت الأرض السورية من مياه ليس ملكاً لجيل واحد، ولا حقاً حصرياً لمن يملك السلطه والنفوذ , إنه ميراثٌ وطني مشترك ومقياس لكرامه السوريين واساس للعداله الإجتماعية وأي استمرار في استنزافه يعني دفع السوريين نحو مزيد من الفقر والهجرة والتوتر الاجتماعي .
إن حماية المياه الجوفية ليست قضية بيئية هامشية، بل معركة تتعلق بمستقبل السوريين أنفسهم , بزراعتهم واستقرارهم والعداله الاجتماعية , وفرص السلام في بلاد أنهكتها الحرب .
فالمياه التي تُهدَر اليوم… سنفتقدها غداً, والأحواض التي ُتستَزنف ليست ملكا لجيل واحد.


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

سورس_كود



Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس