أكتب هذه الكلمات لأن السوريين يستحقون الأفضل
سيرياستيبس
كتب المهندس ياسر علي أسعد
في الملاعب , الحكم المراقب يجلس في المدرجات ويدوّن ملاحظاته ويرسل تقريره ,لا يُطلب منه أن ينزل إلى أرض الملعب ليظهر مهاراته , في سوريا الحره اختارت وزارة النقل هذا الدور لنفسها, تراقب وتكتب التقارير ولا تزعج نفسها بإطلاق صافرة واحدة , فيما اللعبة على الأرض تجري بلا قواعد ولا حَكَم.
خلال زيارتي الأخيرة لسوريا استخدمتُ كل وسائل النقل التي يستخدمها السوريون يومياً , سيارات التكسي وباصات النقل الداخلي والميكروباص وباصات النقل بين المدن الكبرى , في دمشق وحمص وحماه وحلب واللاذقيه وريف دمشق وريف اللاذقيه . الخلاصة مخجلة , خدمة سيئة وغياب شبه كامل للالتزام المهني والأخلاقي , ولا أثر يُذكر لوزارة النقل ولا لمديرياتها لا رقابة ظاهرة ولا معايير معلنة ولا جهة يمكن للمواطن أن يشتكي إليها وينتظر منها جواباً .
على كل طريق وفي كل محطة هناك استراحه يتوقف عندها المسافر ليرتاح ويقضي حاجته ويتابع رحلته , هذه المحطة في أي بلد هي مرآة لمستوى الخدمات العامة ومؤشر لمقدار احترام الدولة لمواطنيها . مراكز انطلاق الباصات كانت خدماتها الأسوأ , طريقه الحجز تذكر بباصات الهوب هوب ودورات المياه فيها تفتقر إلى أبسط الشروط الصحية نظافة غائبة وماء شحيح وأبواب وتجهيزات متضررة وروائح تجعل دخولها تجربة قاسية وبعيدة عن أي معيار إنساني . أما الاستراحات على الطرق العامة فحدّث ولا حرج , تفتقر إلى أبسط الشروط الصحية , ويصعب وصف حالها إلا بأنها لا إنسانية , لا يتعلق الأمر بالرفاهية بل بكرامة مهدورة فمن يستخدم وسائط النقل العام أسر معها أطفال , ونساء حوامل وكبار سن ومرضى وشابات وشباب , يقطعون مسافات طويلة ولا خيار أمامهم سوى التوقف في هذه الاستراحات .
من الإنصاف الإشارة إلى أن بعض الخدمات في سوريا أثبتت قدرتها على النجاح عندما توافر التنظيم والوضوح , كخدمة النقل من المطار إلى المدينة وتطبيقات التكسي مثل «يلا غو» وعيرها , وهذه التجارب تؤكد أن الارتقاء ممكن , وأن الإرادة المنظِّمة هي العنصر الحاسم , وما نطمح إليه هو تعميم هذا المستوى من التنظيم على قطاعات النقل الأخرى، ومنها الاستراحات , المفارقه أن ما نجح فيهما لم يأتِ من الوزارة , بل من التنظيم والتسعير الواضح وإمكانية المحاسبة , أي من القواعد والأسس التي كان ينبغي للوزارة أن تفرضها على القطاع كله.
القطاع يحتاج أن توليه الوزارة أولوية أكبر في المرحلة القادمة
السوريون يقدرون الجهود التي تبذلها وزارة النقل في إدارة قطاع واسع ومعقد, ويدركون حجم الصعوبات التي تواجهها بعد سنوات طويلة طحنت السوريين ,من الأزمات وتراجع البنية التحتية , غير أن الاستراحات على الطرق العامة تقع ضمن صلب مهام الوزارة وصلاحياتها في الترخيص والإشراف والرقابة , وهي من أكثر الملفات التصاقاً بحياتهم اليومية، وأقلها كلفة قياساً بأثرها .
ومن هنا نتمنى على الوزارة أن تمنح هذا الملف أولوية أكبر في المرحلة المقبلة، وأن تبقى جهودها مركّزة على مجال اختصاصها المباشر، إلى جانب التنسيق مع الجهات المعنية الأخرى في ما يخص القضايا المشتركة. فنجاح أي وزارة يقاس بما يلمسه المواطن على الأرض، لا بما يُعلن عنه . تقف وزارة النقل مرتبكه أمام ملف شائك أخر يتصل بحظر دخول أسطول الشحن البري السوري إلى أراضي دول مجلس التعاون الخليجي، أو تقييده بشروط صارمة تعرقل تدفق البضائع بمرونة , وتعود جذور هذه الأزمة إلى جملة من العوامل الفنية والإدارية، في مقدمتها عدم استيفاء غالبية الشاحنات المحلية للمواصفات القياسية الخليجية الخاصة بالسلامة والبيئة بسبب تقادم الأسطول وصعوبة تحديثه جراء التداعيات الاقتصادية والعقوبات, كما تصطدم حركة العبور بتعقيدات تنظيمية ودبلوماسية تتصل بتأشيرات دخول السائقين ( دفاتر تير الدوليه ) ورخص الترانزيت ، فضلاً عن غياب الربط الإلكتروني المباشر والتتبع الرقمي للشحنات المطلوبة أمنياً وجمركياً لدى دول المقصد قبل أن نفقد الفرصة .. المطلوب أكثر من قانون سير جديد
من زاويه أخرى هناك حيره لعدم تعامل وزارة النقل بالجدية المطلوبة مع عروض تحديث الشاحنات المطروحة، لا سيما مع التحولات المستجدة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، والتي وضعت ممرات النقل البري في المنطقة أمام أهمية استراتيجية مضاعفة , ويؤكد خبراء اقتصاديون تمت استشارتهم أن الاستمرار في العزوف عن الخيارات المتاحة يُفقد الأسطول المحلي قدرته على الصمود، وأن المطلوب اليوم هو تحرك حكومي جاد تقوده الوزاره لتأمين أدوات تمويل وقروض ميسرة تمنح الناقلين السوريين فرصة حقيقية لمنافسة عادلة مع أساطيل الدول المجاورة، وتتيح لهم استعادة دورهم التاريخي كرواد لحركة الترانزيت ونقل البضائع باتجاه الخليج والأسواق الإقليمية وضروره أن تنتبه الوزاره أن قسما من الاساطيل الخليجية يملكها أو يعمل بها سوريون . للأسف بدلاً من التعامل مع الواقع المزري ، انشغلت الوزارة بتعديل قانون السير، وهو شأن يدخل في اختصاص وزارة الداخلية، وبإطلاق حملات علاقات عامة وتريندات تهدف إلى القول إن الوزارة تعمل.
في كل دول العالم، تُقاس جودة الطرق بتقارير هندسية منشورة , مؤشر الانتظام الدولي للطرق (IRI)، ومسوحات حالة الرصف، ونسب الطرق الصالحة وغير الصالحة، وبيانات الحوادث ، وجداول الصيانة والمقاولين المؤهلين , هذه أرقام يمكن التحقق منها ومساءلة الوزارة بناءً عليها. معالي الوزير الذي جاء من خلفية خبير في «الإسكوا»، المؤسسة التي تعتمد في عملها على البيانات والتقارير والمؤشرات , ولايحتاج شهاده من أحد وهذا بالضبط ما يرفع سقف توقعات السوريون منه, من عمل في مؤسسة تنتج الدراسات والمواصفات الفنية يعرف أن الثقة تُبنى بالأرقام المنشورة لا بالصور الموحية , وننتظر منه أن ينشر تقريراً فنياً شفافاً عن حالة الطرق , ووضع وسائل النقل العامه وتحديث اسطول الشاحنات السوريه والسماح لها بالسفر الى الدول الاخرى وخطه الوزاره لتحسين الواقع المزري جهود الجميع مطلوبة .. وفوراً ؟
لا أحد يحلم بأن تصل خدمات النقل في سوريا إلى مستوى دول الخليج أو الاتحاد الأوروبي , المطلوب أقل بكثير، وهو حدّ أدنى إنساني يليق بالسوريين , معايير خدمية إلزامية لكل وسيلة نقل، من التكسي إلى باصات المدن الكبرى والشاحنات , تشمل النظافة والسلامة والتسعير الواضح واحترام الراكب , رقابة ميدانية فعلية عبر مفتشين وآلية شكاوى معلنة وسريعة , وعقوبات حقيقية على المخالفين , استراحات طرق بشروط صحية ومرافق نظيفة ومياه وصرف صحي , وربط الترخيص والتجديد بالتفتيش الدوري , تقارير فنية دوريه عن حالة الطرق , يستطيع المواطن والصحفي الاطلاع عليها.
سوريا الحرة تحتاج إلى جهود الجميع، لا إلى مؤتمرات وخطابات وضجيج إعلامي , والسوريون الذين صبروا طويلاً لا يطلبون المعجزات، بل مقعداً نظيفاً، وسائقاً ملتزماً، ومرحاضاً يحفظ إنسانيته على الطريق وطريقا مستوفيا الشروط والمواصفات , ووزارة يعرف عنوانها حين يُظلم. على الوزارة أن تنزل من مقعد الحكم المراقب إلى أرض الملعب , وأن تضع الكأس جانباً وتضع التقرير الفني على الطاولة , فالسوريون يستحقون الأفضل , ولا يحتاجون إلى من يقول لهم إن كل شيء بخير , بل إلى من يعمل حتى يصبح كذلك. إن بناء سوريا الحره يحتاج إلى جهود الجميع , من مسؤولين ومواطنين وقطاع خاص وإعلام , والنقد الصادق , حين يصدر عن محبة وحرص هو شكل من أشكال المشاركة في البناء. أكتب هذه الكلمات لأن السوريين يستحقون الأفضل.
|