سيرياستيبس كتب الاعلامي غالب درويش
تبدو الضغوط أوضح في سوق المنتجات النفطية، إذ تراجعت صادرات المنتجات المكررة والغاز المسال من دول الخليج بنحو 60% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بينما هبطت صادرات الديزل الخليجية إلى نحو ربع مستوياتها السابقة، تزامناً مع ضغوط طاولت صادرات المنتجات الروسية.
لم تعد المخاوف في سوق النفط العالمية تتعلق فقط بمدى ارتفاع الأسعار، بل بما إذا كانت الإمدادات نفسها ستظل متاحة بالكميات الكافية إذا طال أمد الاضطرابات الحالية، فاستمرار تعطل جزء من التدفقات عبر الخليج، تزامناً مع الضغوط التي تواجه إمدادات ومصافي في مناطق أخرى، يضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار يتجاوز حجم الإنتاج على الورق إلى قدرة البراميل فعلياً على الوصول إلى المصافي والأسواق.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن السوق تستطيع عادةً امتصاص نقص موقت في الإمدادات عبر المخزونات التجارية والاستراتيجية، وزيادة الإنتاج من مناطق أخرى، والاستفادة من خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات البديلة، لكن فاعلية هذه الأدوات تتراجع كلما طال أمد الأزمة واتسعت الفجوة بين البراميل المفقودة وتلك التي يمكن تعويضها.
الخطر ينتقل إلى المصافي لا تتوقف الأخطار عند الخام وحده، فقد يصبح الاختناق الأكثر حساسية في مرحلة التكرير، إذا تراجعت قدرة المصافي على الحصول على أنواع الخام المناسبة أو تعطلت طاقات تكريرية إضافية، بما يضغط على إمدادات الديزل والبنزين ووقود الطائرات حتى في حال بقاء كميات من النفط الخام متاحة عالمياً.
في المقابل تمتلك السوق خطوط دفاع عدة، من نمو الإنتاج خارج الخليج إلى المسارات البديلة واحتمال استجابة الطلب للأسعار المرتفعة، لكن السؤال يتعلق بحدود قدرة هذه البدائل على العمل إذا استمر اضطراب هرمز لأشهر، وليس لأسابيع.
وهنا تتغير معادلة الأزمة، فبدلاً من التركيز على المستوى الذي قد يصل إليه سعر البرميل، تتجه الأنظار إلى قدرة المخزونات والطاقات الإنتاجية البديلة ومنظومة التكرير على تعويض الإمدادات الغائبة، والمدة التي تستطيع خلالها هذه الخطوط الدفاعية منع الضغوط الحالية من التحول إلى نقص فعلي في الخام والوقود.
وكالة الطاقة: المخزونات تمتص الصدمة تشير أحدث بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن السوق تمكنت حتى الآن من امتصاص جزء كبير من صدمة الإمدادات عبر السحب من المخزونات، وزيادة الإنتاج من خارج الخليج، وتراجع الطلب العالمي، لكن استمرار الأزمة بدأ يقلص تدريجاً هوامش التعويض المتاحة.
منذ فبراير (شباط) الماضي تراجعت مخزونات النفط العالمية المرصودة بنحو 507 ملايين برميل، بمتوسط سحب بلغ 2.8 مليون برميل يومياً، منها 95 مليون برميل خلال أغسطس (آب) وحده.
وفي جانب الإمدادات، انخفض إنتاج النفط العالمي 1.6 مليون برميل يومياً خلال أغسطس إلى 100.1 مليون برميل يومياً، في وقت ظل فيه أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من إنتاج الخليج متوقفاً.
وعلى رغم ضخ المنتجين من خارج الخليج إمدادات إضافية، واستخدام المسارات البديلة، وتراجع الاستهلاك العالمي، استمرت المخزونات في الانخفاض، بما يشير إلى أن هذه العوامل نجحت في تقليص فجوة الإمدادات، لكنها لم تتمكن حتى الآن من إغلاقها بالكامل.
التكرير... الحلقة الأكثر حساسية تظهر البيانات أن السوق لا تزال تملك مصادر للتعويض، لكنها تستنزف في الوقت نفسه جزءاً من المخزونات التي مثلت خط الدفاع الأول في مواجهة صدمة الإمدادات.
ولا يعني تراجع المخزونات اقتراب نفاد النفط، بقدر ما يشير إلى تقلص هامش الأمان المتاح إذا طال أمد الأزمة، خصوصاً مع انتقال الضغوط إلى قطاع التكرير، فقد بلغ إنتاج المصافي عالمياً 81.4 مليون برميل يومياً في أغسطس، تزامناً مع ارتفاع هوامش التكرير، لا سيما للديزل، مع تراجع تدفقات المنتجات من مناطق إنتاج رئيسة.
وتبدو الضغوط أوضح في سوق المنتجات النفطية، إذ تراجعت صادرات المنتجات المكررة والغاز المسال من دول الخليج بنحو 60 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بينما هبطت صادرات الديزل الخليجية إلى نحو ربع مستوياتها السابقة، تزامناً مع ضغوط طاولت صادرات المنتجات الروسية. وأدى ذلك إلى زيادة العبء على المصافي في مناطق أخرى لتعويض جزء أكبر من الإمدادات المفقودة، ورفع المنافسة على الشحنات المتاحة.
وهنا يظهر الفارق بين توافر النفط الخام وتوافر الوقود، فإضافة براميل جديدة من الولايات المتحدة أو البرازيل أو مناطق إنتاج أخرى قد تساعد في سد جزء من فجوة الخام، لكنها لا تضمن بالضرورة إنتاج الكميات المطلوبة من الديزل والبنزين ووقود الطائرات أو وصولها إلى الأسواق التي تحتاج إليها.
لذلك، لم تعد معادلة الإمدادات مرتبطة بحجم الخام المتاح عالمياً فحسب، بل بقدرة منظومة التكرير والنقل والتخزين على تحويل هذا الخام إلى المنتجات المطلوبة وإيصالها إلى المستهلكين في الوقت والمكان المناسبين.
هوامش التعويض تضيق لا تزال السوق تستفيد من عاملين يخففان حدة الضغط وهما: زيادة الإنتاج من خارج منطقة الخليج، وتراجع الطلب العالمي، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية انخفاض الطلب العالمي على النفط بنحو 2.5 مليون برميل يومياً خلال 2026، مما يساعد على تقليص جزء من الفجوة الناجمة عن تعطل الإمدادات، تزامناً مع إضافة منتجين خارج مناطق الأزمة براميل جديدة إلى السوق.
لكن قدرة هذه البدائل على التعويض ليست بلا حدود، فالخام الإضافي يحتاج إلى ناقلات وموانئ ومصاف قادرة على استقباله ومعالجته، إضافة إلى أن إعادة رسم مسارات التجارة ونقل الإمدادات لمسافات أطول يرفعان كلفة الشحن والتأمين، وظهرت آثار ذلك بالفعل في سوق الناقلات، مع ارتفاع كلف نقل الخام نتيجة تحول مسارات التجارة العالمية.
وبذلك، فإن استمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز لا يختبر حجم النفط المتاح عالمياً فحسب، بل قدرة منظومة الطاقة بأكملها على إعادة توزيع البراميل البديلة ونقلها وتكريرها وإيصالها إلى الأسواق التي تحتاج إليها.
من صدمة الأسعار إلى خطر الإمدادات تتقاطع هذه الصورة مع رؤية "بلاك روك"، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، التي تضع أمن الطاقة وتنويع مصادرها في قلب التحولات التي تواجه الاقتصاد العالمي.
وكان رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لـ"بلاك روك"، لاري فينك، شدد في رسالته السنوية لعام 2026 على أن تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة تتطلب توسيع مصادر الإمداد عبر النفط والغاز والطاقة المتجددة والتخزين والطاقة النووية وشبكات الكهرباء، بما يعكس أهمية تنويع منظومة الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر أو مسار واحد.
وتزداد أهمية هذه الرؤية مع الضغوط التي يشهدها سوق النفط حالياً، إذ لم تعد الأخطار مرتبطة بسعر الخام وحده، إنما بقدرة منظومة الإمداد على إبقاء الطاقة متدفقة من مناطق الإنتاج إلى مراكز التكرير ثم إلى المستهلك النهائي.
ويأتي ذلك في وقت حذر فيه بنك "جيه بي مورغان" خلال سبتمبر (أيلول) الجاري من صعوبة رسم مسار واضح لسوق النفط، مشيراً إلى أنه للمرة الأولى منذ بداية الصراع، لا يملك رؤية أساسية واضحة لاتجاه السوق.
وقدر البنك انخفاض مخزونات الخام والمنتجات النفطية عالمياً بنحو 555 مليون برميل، تزامناً مع تراجع الطلب بنحو 4.4 مليون برميل يومياً مقارنة بمستوياته السابقة.
النقص الشامل لم يبدأ بعد يرى متخصصون في شؤون الطاقة تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" أن السوق لم تدخل حتى الآن مرحلة نقص شامل في النفط، لكن طبيعة الأخطار تغيرت مع امتداد اضطراب الإمدادات، إذ أصبحت بعض المنتجات النفطية أكثر عرضة للضغط من الخام نفسه.
وبحسب المتخصصين، فإن تحول الضغوط الحالية إلى أزمة إمدادات أوسع يتطلب اجتماع أكثر من عامل في الوقت نفسه في مقدمها استمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، وتراجع المخزونات إلى مستويات أكثر حساسية، وتعطل طاقات إضافية في التكرير أو البنية التحتية. وفي المقابل فإن تحسن حركة الملاحة واستعادة الطاقات المتوقفة سيمنحان السوق مساحة أكبر لاستعادة التوازن وإعادة بناء جانب من المخزونات.
المشتقات تحت ضغط أكبر يقول المتخصص في الشأن النفطي الكويتي كامل الحرمي إن أهمية استمرار حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لا تقتصر على النفط الخام، بل تمتد إلى المشتقات النفطية والغاز، في ظل اعتماد أسواق آسيوية كبرى على تدفقات الطاقة القادمة من الخليج.
الحرمي حذر في أغسطس من أن استمرار تعطل الملاحة عبر المضيق لفترة طويلة قد يقود إلى نقص في بعض المشتقات والغاز، بما يزيد احتمالات ظهور أزمات وقود في دول آسيوية تعتمد بدرجة كبيرة على هذه الإمدادات.
وتكتسب هذه الأخطار أهمية أكبر مع التراجع الحاد في صادرات الديزل من الخليج مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، إذ يصبح تعويض المنتجات أكثر تعقيداً من مجرد إيجاد براميل خام بديلة، خصوصاً بالنسبة إلى الأسواق التي تعتمد على استيراد الوقود المكرر.
النقص الشامل لم يبدأ بعد ويرى محلل الطاقة عامر الشوبكي أن استمرار أزمة مضيق هرمز يضع قطاع التكرير تحت ضغوط متزايدة، مع تراجع الطاقات المتاحة واشتداد المنافسة على بعض المنتجات، مما يبقي أسواق البنزين والديزل أكثر حساسية لأي اضطراب إضافي في الإمدادات.
وفي ما يتعلق بالسعودية، يشير الشوبكي إلى أن تعطل خط أنابيب "شرق - غرب" لا يعني فقدان القدرة على توفير الإمدادات، في ظل ما توفره المخزونات وخيارات إدارة التدفقات من مرونة في التعامل مع المتغيرات، فيما تبقى كفاءة إعادة توجيه الخام عاملاً مهماً في استقرار تدفقات السوق.
الوقت يحدد قدرة التعويض أما مستشار الطاقة خالد العوضي، فيرى أن توقف جزء من الإمدادات يمكن تعويضه عبر منتجين ومصادر أخرى، وأن العامل الحاسم في قدرة السوق على استيعاب الصدمة يبقى مدة الاضطراب وكفاءة المسارات البديلة في إيصال الإمدادات إلى وجهاتها.
ويشير العوضي إلى أن وجود براميل إضافية في السوق لا يكفي بمفرده، إذ يجب أن تكون هناك قدرة على نقلها وتكريرها وتحويلها إلى المنتجات المطلوبة، وكلما طال أمد الاضطراب، ازدادت أهمية عامل الوقت، لأن استمرار الاعتماد على المخزونات لتغطية الفجوة الحالية يقلص الهامش المتاح لمواجهة أي صدمة جديدة.
ولا تعني الضغوط الحالية أن العالم يتجه إلى نفاد النفط، لكنها تكشف انتقال السوق إلى مرحلة يصبح فيها أمن الإمدادات أكثر ارتباطاً بقدرة المنظومة بأكملها على العمل: من الإنتاج والمخزونات، إلى النقل والتكرير وتوزيع المنتجات.
ومن هنا، يتوقف تحول الأزمة الحالية إلى نقص مادي أوسع على مدة اضطرابات مضيق هرمز، وسرعة استعادة التدفقات المتوقفة، وقدرة المصافي والمسارات البديلة على مواصلة التعويض قبل تآكل مزيد من هوامش الأمان.
اندبندنت عربية
|