سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:03/09/2026 | SYR: 15:57 | 03/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


 الديون العالمية تضع استقلالية البنوك المركزية على المحك
03/09/2026      



سيرياستيبس 

في كل نهاية صيف، تتحول بلدة جاكسون هول الصغيرة في ولاية وايومنغ الأميركية، إلى العاصمة غير الرسمية للسياسة النقدية العالمية، فمنذ عام 1978، يستضيف بنك الاحتياط الفيدرالي في مدينة كانساس سيتي ندوته الاقتصادية السنوية التي تجمع محافظي البنوك المركزية ووزراء المالية وكبار الاقتصاديين وصنّاع القرار حول العالم، في أجواء غير رسمية، يقصد منها منظموها كسر الطابع البروتوكولي الجامد الذي يميز الاجتماعات المشابهة، لكن خلف هذا المظهر الهادئ تحولت الندوة على مرّ العقود إلى منصة تطلق أهم الإشارات حول اتجاه أسعار الفائدة العالمية، وأصبحت "جاكسون هول" محط أنظار كبار صناديق الاستثمار حول العالم لالتقاط الإشارات التي ستحكم أسواق السندات والعملات.

هذا العام، انعقدت الندوة بين 27 - 29 أغسطس/آب الماضي تحت عنوان "الابتكار المالي: تداعياته على المدفوعات والسياسات"، في إشارة إلى الحضور المتنامي لموضوعات المدفوعات الرقمية والتكنولوجيا المالية والبنية التحتية للعملات المشفرة، غير أن ما استحوذ على اهتمام الأسواق والمراقبين لم يكن جدول الأعمال المعلن بقدر ما كان الظهور الأول لرئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي "البنك المركزي الأميركي" الجديد كيفن وارش في خطابه الافتتاحي، بعد أن خلف جيروم باول الذي ودعه الحضور بحرارة في نسخة العام الماضي، في مشهد بدا وقتها تعبيراً عن دعم مؤسسة الاحتياط الفيدرالي في مواجهة الضغوط السياسية المتصاعدة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورغبته الشديدة بالتدخل في مسار السياسة النقدية، بما يخدم أغراضه السياسية، مما يقوض الأساس الذي بنيت عليه استقلالية البنك الفيدرالي الأميركي على مدى عقود.

خطاب وارش هذا العام تهرب من سؤال الاستقلالية الذي يؤرق الأسواق، وأكد مجدداً التزام الفيدرالي بهدف التضخم عند 2%، واصفاً معدل التضخم، وفق مؤشر نفقات الاستهلاك البالغ 3.7%، بأنه مقلق، وأقرّ وارش بأن قراءات التضخم الصيفية جاءت أفضل من المتوقع، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني أن الاتجاهات الأساسية تحسنت بشكل ملموس، وأوضح أنه يتعين على الفيدرالي أن يكون واثقاً من أن التضخم يتجه نحو الهدف بوضوح وبالسرعة الكافية.

ورغم أن وارش تجنب تقديم إشارات صريحة حول مسار سعر الفائدة، فإن الأسواق قرأت في نبرته تلميحاً إلى احتمال رفع الفائدة إذا لم يتراجع التضخم، وبناءً عليه تحركت أسواق المال.

ولم يكن التضخم وحده محور النقاش بين صنّاع السياسة النقدية حول العالم، فقد ألقت الضغوط السياسية المتصاعدة على الاحتياط الفيدرالي بظلالها على الندوة بأكملها، فبعد أشهر من دعوات الرئيس الأميركي المتكررة لجيروم باول للاستقالة، وجد كيفن وارش نفسه أمام اختبار مزدوج؛ إثبات استقلاليته عن الإدارة التي رشحته من جهة، وإدارة توتر متصاعد مع وزارة الخزانة من جهة أخرى.

فقد تحرك وزير الخزانة، سكوت بيسنت، في الأسابيع التي سبقت الندوة لكبح عوائد السندات طويلة الأجل، في خطوة قرأها محللون بأنها تدخل من السلطة المالية في مجال كان تقليدياً حكراً على السياسة النقدية، وهذا التدخل دفع مسؤولي صندوق النقد الدولي للتحذير من أن أي تنازل من قبل أهم بنك مركزي في العالم وهو الفيدرالي الأميركي أمام الضغوط السياسية قد يرسي سابقة خطيرة تمتد آثارها إلى أوروبا واليابان، حيث الأعراف الراسخة لاستقلالية السياسة النقدية والبنوك المركزية ستكون عرضة لضغوط سياسية مماثلة.

تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي الأميركي عتبة 40 تريليون دولار في أغسطس الماضي، بعد أن سجل 38.9 تريليون دولار في مارس/آذار الماضي فقط، ويتوقع أن يصل العجز المالي الفيدرالي إلى 1.9 تريليون دولار هذا العام

ويقف الاقتصاد الأميركي في قلب هذه المعضلة؛ فقد تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي الأميركي عتبة 40 تريليون دولار في أغسطس الماضي، بعد أن سجل 38.9 تريليون دولار في مارس/آذار الماضي فقط، ويتوقع أن يصل العجز المالي الفيدرالي إلى 1.9 تريليون دولار هذا العام، فيما ارتفع الدين العام الإجمالي للحكومة الأميركية إلى ما يعادل 121% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد انعكس هذا التوسع في الاستدانة على أسواق السندات مباشرة؛ إذ قفز العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ 19 عاماً، وسط مخاوف من استمرار التضخم وتفاقم العجز المالي.

هذا التوسّع الأميركي في الاستدانة يمتد ليعيد تشكيل خريطة تدفقات رأس المال حول العالم بأكمله، فمع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، تتجه مليارات الدولارات من الأسواق الناشئة والأصول عالية المخاطر نحو الدين الحكومي الأميركي الأكثر أماناً نسبياً، في وقت لا تزال فيه تدفقات رأس المال إلى الأسواق الناشئة سلبية منذ سنوات، وهذا يعني أن الولايات المتحدة باتت تنافس بقية أسواق المال على السيولة المتاحة في العالم، في وقت تشتد فيه التجاذبات الداخلية والاختلافات حول كيفية إدارة هذه الملفات التي لا تتوقف آثارها على الداخل الأميركي، بل تمتد لتطاول بقية اقتصادات العالم.

كذلك فإن المصارف المركزية باتت عرضة لضغوط سياسية في المقام الأول تسعى لإعلاء صوت السياسة المالية والإنفاق العام على محددات السياسة النقدية المرتبطة بالتضخم والسيطرة على أسعار الفائدة. وبينما يتطلع المستثمرون لاجتماع البنك الفيدرالي المقبل المقرر منتصف شهر سبتمبر/أيلول الجاري، تبقى إصدارات الديون السيادية عند مستويات قياسية عالمياً، في مؤشر على أن الحكومات، من واشنطن إلى طوكيو ومن لندن إلى العواصم الناشئة، تتنافس جميعها على المدخرات العالمية ذاتها لتمويل العجز المتصاعد.

وهكذا تحولت "جاكسون هول" من مجرد منتدى لمناقشة أسعار الفائدة إلى مرآة تعكس لحظة فاصلة تتقاطع فيها السياسة النقدية بالسياسة المالية بشكل غير مسبوق، وهي لحظة قد تحدد ملامح العقد المقبل من إدارة الاقتصاد العالمي، وتضع استقلالية البنوك المركزية التي بُنيت على مدى نصف قرن على محك حقيقي، فيما تتراجع مسائل الابتكار المالي لمراكز متأخرة. 

العربي الجديد 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس