سورية الجميلة RSS خدمة   Last Update:01/09/2026 | SYR: 13:59 | 01/09/2026
الأرشيف اتصل بنا التحرير



خلطات كامبو


شاي كامبو


IBTF_12-18


Baraka16

 نزيف تحت الأرض ..
آلاف الآبار وجفاف الينابيع يهدّدان مياه الساحل السوري
01/09/2026      

المشهد المائي في الساحل: جفاف يهدد كل شيء تقريباً - الإرادة

سيرياستيبس 

لسنوات طويلة، ارتبط الساحل السوري في أذهان سكانه بوفرة المياه. أمطار أكثر من معظم مناطق البلاد، وينابيع تنتشر بين جبال اللاذقية وطرطوس، وأنهار وسدود جعلت المنطقة تبدو وكأنها بعيدة عن أزمات العطش التي عرفتها مناطق سورية أخرى، لكن هذه الصورة لم تعد ثابتة كما كانت.

خلال السنوات الأخيرة، بدأت غزارة بعض الينابيع بالتراجع، واتسع الاعتماد على المياه الجوفية، فيما انتشرت آلاف الآبار، المرخصة وغير المرخصة، في السهول والمناطق الزراعية.

ومع تتابع مواسم الجفاف وتغير نمط الهطولات وارتفاع الطلب على مياه الري، باتت المنطقة التي تعد من الأغنى مطراً تواجه بدورها أسئلة حول قدرة مخزونها الجوفي على الاستمرار.

وفي اللاذقية وحدها، تشير آخر إحصائية رسمية متاحة إلى وجود نحو 11 ألف بئر غير مرخصة، بينما يلاحظ مزارعون تراجع إنتاجية بعض الآبار واضطرار أصحابها إلى تعميقها أو تشغيل المضخات لفترات أطول.

هكذا تبدو أزمة المياه في الساحل أقل ارتباطاً بانعدام المورد، وأكثر ارتباطاً بطريقة تجدده واستخدامه: مياه تهطل بكميات كبيرة أحياناً، لكنها تجري سريعاً نحو البحر، وزراعة تحتاج إلى الري خلال الصيف، وآبار تسحب من الخزانات الجوفية في وقت تصبح فيه مواسم التغذية الطبيعية أقل انتظاماً.


11 ألف بئر غير مرخصة في اللاذقية
تكشف بيانات حصل عليها موقع تلفزيون سوريا من مديرية الموارد المائية في اللاذقية حجم انتشار الحفر خارج إطار الترخيص، إذ بلغ عدد الآبار غير المرخصة نحو 11 ألف بئر، وفق آخر إحصائية رسمية أجريت عام 2022 بالتعاون مع مديرية الزراعة.

ويعكس الرقم اتساع الاعتماد على المياه الجوفية في المحافظة، خاصّةً في المناطق الزراعية التي تحتاج إلى مصادر ري مستمرة خلال أشهر ينخفض فيها الهطل وتتراجع فيها غزارة بعض المصادر السطحية.

وبحسب مديرية الموارد المائية، تتولى "الضابطة المائية" متابعة تطبيق التشريعات المتعلقة بحفر الآبار واستثمارها، من خلال مراقبة حركة الحفارات والتحقق من التراخيص وأوامر الحركة، إلى جانب التعامل مع التعديات على الموارد المائية. 

لكن وجود آلاف الآبار غير المرخصة يعني أن جانباً كبيراً من عمليات السحب يجري خارج منظومة يمكن من خلالها معرفة كميات المياه المستخرجة وضبطها وفق قدرة الحوامل الجوفية على التجدد.

وتشير المديرية إلى أن بعض الآبار المخالفة تصل إلى الطبقات الجوفية وتستخرج المياه منها من دون دراسة أو تنظيم كافيين، ما يضيف ضغطاً على المخزون ويهدد استدامته على المدى الطويل.

أمطار غزيرة ومياه أقل
تكمن إحدى أبرز مفارقات أزمة المياه في الساحل السوري في أن المنطقة، التي تسجل عادة أعلى معدلات الهطل في البلاد باتت تواجه بدورها تراجعاً في بعض مواردها المائية.

وتقول مديرية الموارد المائية في اللاذقية إن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات مناخية حادة، وكان عام 2025 من أشدها جفافاً، وهو ما انعكس على كميات المياه المخزنة ومعدلات تغذية المياه الجوفية، لكن كمية المطر السنوية وحدها لا تفسر ما يحدث.

المهندس الزراعي مازن عبد العال يقول لموقع تلفزيون سوريا، إنّ تغير نمط الهطل أصبح عاملاً مهماً، إذ باتت كميات كبيرة من الأمطار تسقط أحياناً خلال فترات زمنية قصيرة، بدلاً من توزعها على أيام وفترات أطول.

وعندما يهطل المطر بكثافة خلال وقت قصير، لا تتمكن التربة دائماً من امتصاصه بالسرعة نفسها، فتتحول نسبة أكبر منه إلى جريان سطحي عبر الأودية والأنهار وصولاً إلى البحر، بدلاً من التسرب تدريجياً إلى باطن الأرض وتغذية الطبقات الجوفية.

ويضيف عبد العال أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر يفاقمان المشكلة، إذ تقل كمية المياه التي تبقى في التربة أو تتسرب نحو الخزانات الجوفية.


وهكذا يمكن لمنطقة أن تتلقى أمطاراً غزيرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تعويض الكميات، التي سُحبت من باطن الأرض خلال الصيف أو خلال سنوات الجفاف السابقة.

الزراعة توسّع الطلب على الآبار
يتزامن تغير المناخ مع تحول آخر شهدته مناطق واسعة من الساحل يتعلق بأنماط الزراعة، فإلى جانب الحمضيات التي شكّلت أحد أبرز محاصيل المنطقة، توسعت زراعة الخضراوات الصيفية والبيوت البلاستيكية، وهي زراعات تحتاج إلى توفر المياه بصورة منتظمة خلال فترات يقل فيها الهطل.

ويرى عبد العال أن هذا التحول دفع مزيداً من المزارعين إلى الاعتماد على المياه الجوفية وحفر الآبار، وبينها آبار غير مرخصة، لضمان استمرار الإنتاج خلال أشهر الصيف.

ولا يعني ذلك أن محصولاً بعينه هو المسؤول عن استنزاف المياه، بقدر ما يكشف عن تغير في حجم الطلب وطبيعته: فكلما توسعت الزراعات المروية، ازدادت الحاجة إلى مصدر يمكن تشغيله عند الطلب.

والبئر توفر للمزارع هذه الإمكانية بصورة لا توفرها الأمطار الموسمية، لكن عندما يتكرر الأمر على نطاق واسع، يصبح مجموع عمليات الضخ عاملاً مؤثراً في الحوض الجوفي كله.

أين تتركز الآبار؟
يتركّز جزء كبير من النشاط الزراعي في السهول الساحلية، حيث تتوافر الأراضي الخصبة وتكون المياه الجوفية في كثير من المواقع أقرب إلى سطح الأرض مقارنة بالمناطق الجبلية.

وتبرز بين هذه المناطق سهول مدينتي اللاذقية وجبلة، إلى جانب سهل عكار في محافظة طرطوس ومحيط بانياس وعدد من القرى الزراعية المجاورة.

وسهولة الوصول النسبي إلى المياه جعلت هذه المناطق من أكثر المواقع جذباً لحفر الآبار، المرخصة وغير المرخصة، لكن الميزة نفسها تجعلها أكثر حساسية للضغط المتراكم، إذ تتركز فيها أعداد كبيرة من الآبار إلى جانب نشاط زراعي يحتاج إلى الري بصورة مستمرة.

ومع ارتفاع الطلب عاماً بعد آخر، لا يعود السؤال متعلقاً بوجود المياه في باطن الأرض فقط، وإنما بمقدار ما يمكن سحبه منها من دون أن يتجاوز قدرة الحامل على التعويض.

آبار تنتج أقل وتحتاج إلى تشغيل أطول
يقول المزارع سامي جنيدي، من ريف اللاذقية، إن مزارعين في المنطقة لاحظوا خلال السنوات الأخيرة تراجعاً تدريجياً في إنتاجية بعض الآبار.

ويوضح لموقع تلفزيون سوريا أن آباراً كانت تضخ كميات كافية من المياه خلال فترات أقصر أصبحت تحتاج اليوم إلى تشغيل المضخات مدة أطول للحصول على الكمية نفسها، في حين اضطر بعض المزارعين إلى تعميق آبارهم بعد انخفاض مستوى المياه.

ولا يقتصر أثر ذلك على المورد المائي نفسه، إذ يؤدي تعميق الآبار وزيادة ساعات تشغيل المضخات إلى رفع تكاليف الطاقة والصيانة، وبالتالي زيادة كلفة الإنتاج الزراعي.

ورغم ذلك، يقول جنيدي إن معظم المزارعين لا يملكون بديلاً عملياً عن المياه الجوفية، في ظل محدودية مصادر الري الأخرى وعدم وصول المياه السطحية إلى جميع الأراضي الزراعية.

وبالنسبة إليه، لا تكمن المشكلة في زراعة الحمضيات أو البيوت البلاستيكية بحد ذاتها، بل في غياب إدارة أوسع تسمح بالاستفادة بصورة أفضل من مياه الأنهار والينابيع ونقلها إلى المناطق الزراعية، بما يخفف الاعتماد المباشر على الآبار.

وبذلك يجد المزارع نفسه أمام المعادلة ذاتها التي ظهرت في مناطق سورية أخرى: البئر ضرورية للحفاظ على المحصول اليوم، لكن استمرار الاعتماد عليها بالمعدل نفسه قد يجعل استخدامها أكثر صعوبة وكلفة مستقبلاً.

الينابيع.. مؤشر يظهر على السطح
لا تبقى التغيرات التي تحدث في المياه الجوفية مخفية دائماً تحت الأرض، ففي عدد من القرى الجبلية، يشير سكان إلى تراجع غزارة ينابيع كانت تمثل مصدراً ثابتاً للمياه خلال فترات طويلة من العام.

أيهم يونس، وهو من سكان قرى ريف جبلة، يقول لموقع تلفزيون سوريا إن بعض الينابيع شهدت انخفاضاً ملحوظاً في غزارتها خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد مواسم الجفاف المتتالية.

ويربط يونس هذا التراجع بانخفاض المياه الجوفية التي تغذي تلك الينابيع، وبغض النظر عن اختلاف أسباب تراجع كل نبع بحسب طبيعة الحوض ومصدر تغذيته، فإن انخفاض غزارة الينابيع يمثل مؤشراً مرئياً على تغير كمية المياه التي تتحرك داخل المنظومة المائية في المنطقة.

فالنبع ليس مورداً منفصلاً تماماً عن المياه الجوفية، وفي كثير من الحالات يمثل نقطة خروج طبيعية للمياه المخزنة في الصخور والطبقات الجوفية، لذلك، فإنّ تراجع تغذيته يمكن أن يكون واحداً من المؤشرات التي تستدعي مراقبة أوسع للمناسيب وكميات الضخ والتغذية الطبيعية.

اللاذقية وطرطوس.. موارد مختلفة وتحديات متشابهة
رغم التقارب الجغرافي بين محافظتي اللاذقية وطرطوس، إلّا أنّ طبيعة الاعتماد على مصادر المياه، تختلف بين منطقة وأخرى.

فاللاذقية تجمع بين الأنهار والينابيع الجبلية والسدود والمياه الجوفية، بينما تلعب الينابيع والأحواض الجوفية دوراً بارزاً في مناطق واسعة من طرطوس، ولا سيما في سهل عكار، أحد أهم السهول الزراعية في المحافظة.

لكن اختلاف المصادر لا يمنع تكرار التحديات نفسها تقريباً، فالمحافظتان تتأثران بتراجع انتظام الهطولات وارتفاع الطلب الزراعي على المياه، إلى جانب الضغط على بعض الأحواض الجوفية وتهالك أجزاء من شبكات الري، وهو ما يؤدي إلى فقدان جانب من المياه قبل وصولها إلى الأراضي.


ومن هنا، لا تبدو مشكلة الساحل مرتبطة بندرة المياه بالمفهوم التقليدي وحده، بل بكفاءة تخزينها ونقلها وتوزيعها واستخدامها خلال العام.

لذلك، فإنّ حالة الساحل تطرح مفارقة مختلفة عن المناطق الأكثر جفافاً في سوريا، ففي منطقة تستقبل كميات كبيرة من المطر، يصبح جزء من التحدي متعلقاً بالقدرة على الاحتفاظ بهذه المياه والاستفادة منها، بدلاً من خسارة قسم منها سريعاً عبر الجريان السطحي نحو البحر.

وتوسيع الاستفادة من المصادر السطحية وصيانة شبكات الري أيضاً، يمكن أن يخففا من الضغط على المياه الجوفية، التي تحولت في كثير من المناطق إلى مصدر يمكن تشغيله فور الحاجة إليه.

لكن سهولة تشغيل البئر تخفي حقيقة أكثر تعقيداً: كل متر مكعب يُسحب منها يحتاج، في النهاية، إلى أن يعوّضه تسرب طبيعي من الأمطار أو انتقال المياه داخل الحوض، وعندما يصبح السحب أسرع من التجدد، تبدأ آثار العجز بالظهور في انخفاض المناسيب وتراجع الغزارة والحاجة إلى تعميق الآبار.

هل تكفي الحلول المطروحة؟
ترى مديرية الموارد المائية في اللاذقية أن التعامل مع شح المياه مستقبلاً يحتاج إلى توسيع الخيارات وعدم الاعتماد على المصادر التقليدية وحدها.

ومن بين الخيارات المطروحة دراسة مشاريع لتحلية مياه البحر، والاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة في الري، إلى جانب رفع الوعي أيضاً من خلال ترشيد الاستهلاك.

لكن المصادر غير التقليدية وحدها لا تعالج أسباب الضغط على المياه الجوفية، إذ يحتاج الحد من التدهور إلى ضبط الحفر الجديد، وحصر الآبار القائمة وقياس كميات السحب منها.

وذلك بالتوازي أيضاً مع تأهيل شبكات الري وتقليل الفاقد، والتوسع في وسائل الري الأعلى كفاءة، وربط الخطط الزراعية بكمية المياه المتاحة وقدرة كل منطقة على تحمل مزيد من الاستهلاك.


وتبرز الحاجة إلى تحسين الاستفادة من مياه الأمطار والأنهار والينابيع خلال مواسم الوفرة، بما يقلل الحاجة إلى العودة في كل صيف إلى المصدر نفسه تحت الأرض.

الأكثر مطراً لا يعني الأكثر أمناً مائياً
يكشف الساحل السوري وجهاً مختلفاً من أزمة المياه الجوفية التي تتتبعها سلسلة "نزيف تحت الأرض"، فالمشكلة هنا لا تبدأ من غياب الأمطار، وإنما من تغير انتظامها، ومن كمية المياه التي تنجح فعلياً في الوصول إلى باطن الأرض، ومن حجم ما يُسحب منها لاحقاً للزراعة وبقية الاستخدامات.

11 ألف بئر غير مرخصة في اللاذقية وحدها، ومزارعون يتحدثون عن تراجع إنتاجية بعض الآبار، وسكان يلاحظون انخفاض غزارة ينابيع كانت تبدو قبل سنوات أكثر استقراراً.

كل ذلك يحدث في واحدة من أكثر مناطق سوريا مطراً، وهذه المفارقة تكشف أن وفرة المياه على السطح في موسم واحد لا تضمن بقاء المخزون الجوفي مستقراً، كما أن كثرة الهطولات لا تعني أن ما يُسحب من باطن الأرض يمكن تعويضه بلا حدود.

كيف أوصلت الآبار العشوائية سوريا إلى حافة العطش؟

وبين الأمطار التي تهطل سريعاً وتجري نحو البحر، والآبار التي تستمر في الضخ خلال أشهر الجفاف، تصبح حماية المياه الجوفية في الساحل مسألة إدارة للمورد بقدر ما هي مسألة توفره.

فالمياه التي لا تنجح الأرض في تخزينها اليوم، والمياه التي تُسحب من الحوامل الجوفية أسرع من قدرتها على التجدد، قد تجعل المنطقة التي عُرفت طويلاً بوفرة مياهها أمام تحدٍ لم يكن كثير من سكانها يتوقعونه: كيف تحافظ على خزانها المائي قبل أن تصبح الوفرة نفسها جزءاً من الماضي؟

يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة "نزيف تحت الأرض"، التي يتتبع فيها موقع تلفزيون سوريا انتشار الآبار العشوائية والاعتماد المتزايد على المياه الجوفية في المحافظات السورية، ويرصد أسباب توسعها وسبل تنظيمها، وانعكاسات استنزافها على مياه الشرب والزراعة والصحة العامة والأمنين المائي والغذائي.

تلفزيون سوريا 


طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال طباعة هذا المقال أرسل إلى صديق

 
 

Baraka16


Orient 2022


معرض حلب


الصفحة الرئيسية
مال و مصارف
صنع في سورية
أسواق
أعمال واستثمار
زراعـة
سيارات
سياحة
معارض
نفط و طاقة
سوريا والعالم
محليات
مجتمع و ثـقافة
آراء ودراسات
رياضة
خدمات
عملات
بورصات
الطقس