سيرياستيبس
في عام 2021، لم تكن الكتلة الصخرية الضخمة التي اعترضت عمل مقالع شركة إسمنت حماة سوى مشكلة هندسية مكلفة، فقد بلغ وزنها أكثر من مليون ونصف المليون طن، وكانت مشبعة بعنصر المغنيسيوم بنسبة مرتفعة، ما جعلها غير صالحة للدخول في صناعة الإسمنت، في حين كان ترحيلها يتطلب إنفاق مليارات الليرات ويؤخر عمليات استخراج الحجر الكلسي اللازم للإنتاج.
لكن ما بدا في البداية عائقاً أمام العمل، تحول بعد سلسلة من التحاليل الكيميائية والفيزيائية إلى فرصة اقتصادية واعدة، فقد اكتشفت كوادر الشركة إمكانية استثمار هذه الصخور في صناعة الطوب الخرساني والحصويات، الأمر الذي مكّن الشركة من تحويل عبء إنتاجي إلى مصدر دخل جديد، وفتح الباب أمام سؤال أكبر: كم من الثروات الطبيعية ما زالت مدفونة في الأرض السورية دون أن تحظى بالدراسة أو الاستثمار؟
وقعت تركيا وسوريا، في الأيام الماضية "مذكرة تفاهم في مجال الفوسفات" بهدف تطوير شراكة استراتيجية بين البلدين في قطاع التعدين. وجرى توقيع المذكرة في العاصمة السورية دمشق بين شركة MTA IC التابعة للمديرية العامة للبحوث والاستكشافات المعدنية التركية (MTA)، والمديرية العامة للجيولوجيا والثروات المعدنية السورية.
وتهدف المذكرة إلى توسيع التعاون بين البلدين في مجالي الطاقة والتعدين ليشمل الاستفادة من موارد الفوسفات وتطويرها.
ما الذي يحتاجه قطاع التعدين للنهوض؟ ورغم أن النفط والغاز والفوسفات غالباً ما تتصدر الحديث عن الموارد الطبيعية في سوريا، فإن خبراء الجيولوجيا والتعدين يؤكدون أن باطن الأرض السورية يخفي تنوعاً معدنياً واسعاً، يمكن أن يشكل ركيزة جديدة للاقتصاد الوطني إذا ما أُحسن استثماره وربطه بالصناعات التحويلية.
هذا ما يؤكده المهندس محمد أيمن رمضان، الذي عمل لأكثر من عشرين عاماً في شركة التعدين العربية السعودية (معادن) والتي تعتبر واحدة من أكبر الشركات الوطنية والعالمية في استكشاف واستغلال الثروات المعدنية المرتبطة بالقطاع الجيولوجي، يرى أن سوريا تمتلك ثروة جيولوجية أكبر بكثير مما هو مستثمر اليوم، لكن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد، وإنما في محدودية أعمال الاستكشاف الحديثة وضعف الاستثمار في الدراسات الجيولوجية المتقدمة.
ويقول رمضان لموقع تلفزيون سوريا: "إن كثيراً من الخرائط الجيولوجية التي تعتمد عليها عمليات الاستكشاف أُعدت قبل سنوات طويلة، في حين شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تطوراً كبيراً في تقنيات الاستشعار عن بعد والمسح الجيوفيزيائي والذكاء الاصطناعي، وهي أدوات قادرة على الكشف عن مكامن جديدة وتقديم تقديرات أكثر دقة للاحتياطيات المعدنية".
ويؤكد أن المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على استخراج المواد الخام، بل ينبغي أن تتجه إلى إنشاء صناعات تحويلية قادرة على رفع القيمة المضافة لهذه الموارد، لأن تصدير الخام يحقق عائداً محدوداً مقارنة بتصنيعه محلياً وتحويله إلى منتجات تدخل في قطاعات البناء والصناعات الكيماوية والميكانيكية.
ويضيف أن نجاح أي مشروع تعدين لا يقاس فقط بحجم الاستثمار أو كمية الخام المستخرج، بل بقدرته على خلق سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الاستكشاف، مروراً بالاستخراج والتصنيع، وصولاً إلى تدريب الكوادر الوطنية ونقل التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، يطرح رمضان رؤية تقوم على توسيع التعاون مع الشركات السعودية المتخصصة في التعدين والصناعات المعدنية، موضحاً أن المملكة راكمت خلال العقود الماضية خبرات واسعة في هذا القطاع، وأصبحت تمتلك شركات وطنية قادرة على تنفيذ مشاريع استكشاف واستخراج وتصنيع بمعايير عالمية.
ويرى أن الميزة الأساسية لهذا التعاون، من وجهة نظره، لا تتمثل في التمويل فقط، وإنما في إمكانية نقل المعرفة والخبرة إلى الكوادر السورية، مستفيداً من وجود آلاف المهندسين والفنيين السوريين الذين عملوا لسنوات طويلة في المشاريع السعودية وأسهموا في نجاحها.
ويقول: "الاستثمار الحقيقي لا يكون في استخراج المعدن فقط، وإنما في بناء الإنسان القادر على إدارة هذا القطاع مستقبلاً. وإذا نجحنا في نقل الخبرات إلى الكوادر السورية، فإننا نضمن استدامة الصناعة لعقود، بدلاً من الاعتماد الدائم على الشركات المنفذة."
ويضيف أن كثيراً من الشركات العالمية تأتي لتنفيذ مشروع محدد وفق عقد زمني، وتنقل من المعرفة القدر الذي تحتاجه لتشغيل المشروع، بينما يعتقد أن الشراكات العربية، ولا سيما مع المملكة العربية السعودية، قد تتيح فرصاً أوسع لبناء قدرات محلية طويلة الأمد، وهو ما يراه عاملاً مهماً في إعادة إحياء قطاع التعدين السوري على أسس مستدامة.
ولا يقتصر الحديث على المغنيسيوم أو الفوسفات، فالتنوع الجيولوجي في سوريا يمتد على مساحة البلاد، ويضم عشرات الخامات المعدنية والصخور الصناعية التي ما تزال بحاجة إلى استكشاف أوسع واستثمار أكثر كفاءة.
ويشير مختصون إلى أن سوريا تمتلك تنوعاً جيولوجياً نادراً مقارنة بمساحتها، إذ تنتشر الثروات المعدنية في معظم المحافظات، غير أن جزءاً كبيراً منها ما يزال غير مستثمر أو لم يخضع لدراسات حديثة تحدد احتياطياته وجدواه الاقتصادية بدقة.
ففي البادية السورية، ولا سيما في محافظتي حمص وريف دمشق الشرقي، تتركز أكبر احتياطيات الفوسفات، وخاصة في مناجم خنيفيس والشرقية، وهي من أبرز الثروات التعدينية التي تمتلكها البلاد، إذ يدخل الفوسفات في صناعة الأسمدة والمنتجات الكيماوية ويعد من المواد المطلوبة عالمياً. كما تضم البادية أيضاً احتياطيات من الجبس والملح الصخري، إضافة إلى خامات تستخدم في صناعات مواد البناء.
أما المنطقة الوسطى، ولا سيما محافظتا حماة وحمص، فتعد من أهم مناطق انتشار الصخور الكلسية اللازمة لصناعة الإسمنت، إلى جانب الصخور الغنية بالمغنيسيوم التي برزت أهميتها بعد التجربة التي نفذتها شركة إسمنت حماة، والتي أثبتت أن بعض الخامات التي كانت تعد عائقاً أمام الإنتاج يمكن أن تتحول إلى منتجات صناعية ذات قيمة اقتصادية عالية إذا ما خضعت للدراسة والبحث.
وفي الساحل السوري، تمتد تكوينات صخرية متنوعة تضم الحجر الكلسي والبازلت والرمال المستخدمة في الصناعات الإنشائية، فضلاً عن خامات تدخل في صناعة الإسمنت والسيراميك والرخام وأحجار الزينة، بينما تنتشر في محافظات الجنوب، ولا سيما السويداء ودرعا، الصخور البازلتية التي تعد من أجود الخامات المستخدمة في رصف الطرق وصناعة الحجر والكسارات ومواد البناء.
كما تمتلك سوريا احتياطيات من الرمال السيليسية في عدد من المناطق، وهي مادة أساسية في صناعة الزجاج والسيراميك وبعض الصناعات الإلكترونية، إلى جانب انتشار الرخام والأحجار الزخرفية التي يمكن أن تشكل صناعة تصديرية واعدة إذا جرى تطوير عمليات استخراجها وتصنيعها وفق المعايير الحديثة.
ويرى المهندس محمد أيمن رمضان أن القيمة الاقتصادية لهذه الموارد لا تكمن في وجودها داخل الأرض فحسب، وإنما في الطريقة التي تُدار بها، ويؤكد أن الدول التي نجحت في بناء قطاع تعدين قوي لم تعتمد على بيع الخامات الأولية، بل حولتها إلى صناعات متكاملة تحقق قيمة مضافة مرتفعة، وتوفر آلاف فرص العمل، وتدعم الصادرات، وتزيد مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي.
ويضيف أن إعادة إعمار سوريا تفرض التفكير بطريقة مختلفة في إدارة الموارد الطبيعية، بحيث لا يقتصر الهدف على استخراج المعادن، وإنما على إقامة صناعات وطنية مرتبطة بها، مثل صناعات مواد البناء، والمنتجات الكيماوية، والسيراميك، والزجاج، والمواد العازلة، وغيرها من الصناعات التي تعتمد على الخامات المحلية وتخفض فاتورة الاستيراد.
ويشدد رمضان على أن نجاح هذا التوجه يتطلب تحديث الخرائط الجيولوجية، وإجراء مسوحات ميدانية باستخدام التقنيات الحديثة، واستقطاب استثمارات تقوم على الشراكة الحقيقية ونقل المعرفة، بالتوازي مع تأهيل المهندسين والفنيين السوريين ليكونوا جزءاً من عملية التطوير، لا مجرد قوة عاملة في مشاريع مؤقتة.
ويرى أن وجود آلاف الخبرات السورية العاملة في قطاع التعدين داخل المملكة العربية السعودية ودول الخليج يمثل فرصة يمكن الاستفادة منها في المرحلة المقبلة، سواء عبر نقل التجارب الفنية والإدارية أو من خلال بناء شراكات مع شركات تمتلك خبرة طويلة في الاستكشاف والتعدين والتصنيع، بما يضمن تأسيس قطاع يعتمد على الخبرة الوطنية ويستفيد في الوقت نفسه من التجارب العربية الناجحة.
ولا يخفي مختصون أن الطريق أمام تطوير قطاع التعدين في سوريا ما يزال مليئاً بالتحديات، بدءاً من الحاجة إلى تحديث التشريعات الناظمة للاستثمار، ومروراً بتطوير البنية التحتية وتأمين مصادر الطاقة، ووصولاً إلى توفير التمويل اللازم لأعمال الاستكشاف، وهي مرحلة غالباً ما تكون الأعلى كلفة والأكثر مخاطرة في أي مشروع تعديني.
ومع ذلك، فإن التجارب العالمية تؤكد أن الاستثمار في المعرفة الجيولوجية يحقق عوائد كبيرة على المدى الطويل، إذ إن كل اكتشاف جديد قد يفتح الباب أمام صناعات وفرص عمل واستثمارات تمتد لعقود.
وربما تختصر قصة "جبل المغنيسيوم" في حماة هذه الفكرة بأفضل صورة؛ فما اعتُبر يوماً عبئاً مالياً يعيق العمل ويكلف الشركة مليارات الليرات لإزالته، تحول بفضل البحث العلمي والرؤية الهندسية إلى مصدر دخل وفرصة إنتاج جديدة. وبين هذه القصة، وما تختزنه الجغرافيا السورية من فوسفات وبازلت ورمال سيليسية وجبس وأحجار صناعية وغيرها من الخامات، تبدو الرسالة واضحة: إن الثروة الحقيقية لا تكمن فقط فيما تخبئه الأرض، بل في القدرة على اكتشافه، وإدارته، وتحويله إلى صناعة ومعرفة وقيمة مضافة تسهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
تلفزيون سوريا
|