سيرياستيبس
تتواصل المحاولات الخليجية والدولية من أجل حل أزمة مضيق هرمز الذي ينقل نحو خمس نفط العالم و20% من الغاز المنقول بحراً، حيث أن الممر البحري لا غنى عنه في ظل عدم كفاية البدائل المطروحة ومنها خطوط أنابيب نقل الطاقة براً، حسب مراقبين ومسؤولين خليجين.
وفي هذا السياق، رفض وزير الدولة لشؤون الطاقة، والرئيس التنفيذي لقطر للطاقة، سعد بن شريده الكعبي، فكرة أنه لا قيمة لمضيق هرمز، قائلاً: "من الخطأ وصف مضيق هرمز بأنه لا قيمة له لأن مياه الخليج تنقل كل أنواع البضائع والمنتجات، وليس النفط والغاز فقط، من وإلى جميع الدول حوله." وشدد على ضرورة استعادة الحركة الطبيعية عبر المضيق قائلاً: "الدول المحيطة بالخليج جيران وسيبقون جيراناً لأجيال قادمة. وبالتالي، نحن بحاجة إلى أن تكون لدينا علاقات جيدة مع جيراننا".
وجاءت تصريحات الكعبي، خلال مشاركته في جلسة حوارية أمس، حول "إعادة تنظيم الطاقة في العالم" في منتدى قطر الاقتصادي 2026 الذي عقد للمرة الأولى في مدينة نيويورك تزامنا مع الاجتماعات رفيعة المستوى للجلسة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وحول استئناف عمليات الإنتاج، قال الوزير القطري إن الدوحة جاهزة لاستئناف عمليات الإنتاج بشكل طبيعي في غضون أسابيع قليلة من إعادة فتح مضيق هرمز. مسارات آمنة في هرمز
يضع تسارع التنسيق العماني الإيراني لتحديد مسارات ملاحية بديلة وآمنة عبر مضيق هرمز، والمعلن رسميا في 13 سبتمبر/ أيلول الجاري، إطارا تنفيذيا حاسما لاحتواء تفاقم اضطراب تدفقات الطاقة والسلع الاستراتيجية نحو الأسواق الدولية، في تحرك يكتسب وزنا نوعيا لتفادي انسداد شريان التجارة البحرية.
فالمكانة الجيو-اقتصادية للممر المائي تمثل ركيزة الاستقرار التجاري لأسواق الطاقة الدولية، إذ يعبر المضيق نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا، وفق آخر تقرير نشرته منصة سيترايد ماريتايم (Seatrade Maritime) المتخصصة في استخبارات الشحن والخدمات اللوجستية البحرية في 14 سبتمبر الجاري، ما يجعل أي شلل ملاحي بمثابة صدمة تضخمية تعصف بمعدلات النمو العالمية وتضغط بقوة على موازين المدفوعات للدول المستوردة.
وتتفاقم المخاطر التشغيلية مع اتساع نطاق التوترات العسكرية المباشرة التي تهدد سلامة السفن التجارية وناقلات الطاقة العملاقة في الممرات المائية الحيوية بالشرق الأوسط، في حين كشفت بيانات نشرتها صحيفة الغارديان في تقرير في 14 سبتمبر الجاري، أن مسارات الالتفاف البحرية والخطط البديلة لتفادي المضيق تصطدم بتحديات لوجستية معقدة وارتفاعات حادة في تكاليف الشحن الدولي واختناق الموانئ الإقليمية، ما يجدد الرهان الدولي على جهود مسقط الدبلوماسية. كلفة البدائل ومعضلة التأمين
وفي هذا الإطار، تكتسب سلطنة عمان أهمية استثنائية انطلاقاً من تمتعها بموقع استراتيجي فريد على مضيق هرمز يتيح لها إنشاء ممرات ملاحية جديدة وآمنة لتسهيل العبور وتأمين حركة التجارة، وفق ما يوضحه الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي، في حديث، مؤكدا أن الاستفادة من هذا الامتداد الجغرافي تتطلب بالضرورة وجود تفاهمات واضحة وضمانات متبادلة بين طهران وواشنطن تضمن سلامة الناقلات وعدم استهدافها، لكون الإجراءات الميدانية تظل معلقة بمدى توفر مظلة حماية سياسية وعسكرية مشتركة.
وتتعزز تلك الأهمية الجيو-اقتصادية للسلطنة من واقع مشاركتها المباشرة مع الجانب الإيراني في الإشراف على مدخل الخليج العربي، ما يمنح التنسيق الثنائي بينهما دورا محوريا في صياغة مستقبل مرور السفن في المنطقة، بحسب تحليل أستاذ الاقتصاد في جامعة نيس الفرنسية آلان صفا، في حديث ، موضحا أن تدفق نحو 20% من صادرات النفط وحوالي 20% من الغاز العالمي المنقول بحراً عبر المضيق يمنح مسقط وزنا استراتيجيا كبيرا في أي تسوية مطروحة.
ويوفر العبور المنتظم عبر مضيق هرمز ميزات تنافسية جوهرية لا يمكن منافستها من حيث سرعة الإبحار وتراجع تكلفة النقل الإجمالية مقارنة بكافة البدائل المطروحة، كما يرى الطوقي، لافتاً إلى أن هذه المزايا التشغيلية تلبي طموحات شركات النقل البحري ومؤسسات التأمين، وتمنح الاقتصادات العالمية فرصة حقيقية لتفادي التضخم الناتج عن ارتفاع تكاليف الشحن وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية الذي يرافق تغيير مسارات السفن نحو طرق بديلة تزيد فترات الإبحار ومصاريف الوقود. تحديات شبكات الأنابيب البرية
وتصطدم محاولات الاستعاضة عن الممر المائي عبر الاستثمارات الضخمة في شبكات الأنابيب البرية أو السكك الحديدية وشاحنات النقل بحدود الكفاءة، حسب تقدير نشرته شركة بي إم آي (BMI) التابعة لمجموعة فيتش، والمتخصصة في أبحاث الشحن والخدمات اللوجستية في 15 سبتمبر الحالي، والذي أكد أن نقل الخام برا يفرض اختناقات تشغيلية وأعباء إضافية باهظة تعجز عن تعويض التدفقات البحرية الضخمة التي تعبر المضيق بانتظام.
وتفقد الاستثمارات الهائلة الموجهة نحو خطوط الأنابيب البديلة والمشاريع البرية والسكك الحديدية جدواها الاقتصادية على المدى الطويل عند مقارنتها بتكاليف المرور المنخفضة عبر هرمز، كما يؤكد الطوقي، مشيراً إلى أن التوصل إلى اتفاقية سلام شاملة بين الولايات المتحدة وإيران قد يجعل تلك الاستثمارات البديلة غير ضرورية وتفتقر للجدوى التشغيلية، لكون الميزة الجغرافية للمضيق تظل الخيار الأكثر اقتصادية وتنافسية لكافة الأطراف الفاعلة في منظومة التجارة العالمية.
فأسواق الشحن العالمية وشركات التأمين البحري تضع عامل الأمان الفعلي في مقدمة أولوياتها قبل اتخاذ قرارات الإبحار، وفق قراءة صفا، مبينا أن استمرار انعدام الاستقرار يؤدي إلى رفع تكاليف النقل لمستويات خيالية وقد يدفع شركات التأمين إلى رفض تغطية الخسائر الناتجة عن المخاطر الأمنية، ما يدفع الشركات الملاحية إلى التريث في انتظار التوصل لاتفاق سياسي واضح ترافقه آليات تطبيق فعالة تضمن احترام جميع الأطراف للبنود والالتزامات المتفق عليها.
ويرتبط هذا الترقب الحذر في قطاع النقل بتصاعد المخاطر الميدانية التي تعيق حركة السفن، حيث أوضحت مؤسسة كلايد آند كو (Clyde & Co) المتخصصة في الاستشارات القانونية والملاحة البحرية الدولية، في تقرير نشرته في 15 سبتمبر الجاري، أن تصاعد التهديدات يرفع علاوات مخاطر الحرب ويقيد حركة السفن التجارية، ما يجعل استئناف التدفقات الطبيعية مرهوناً بتوفير ممرات ملاحية آمنة تحظى بضمانات سياسية وقانونية ملزمة لكافة الأطراف المتنازعة.
وتعاني شركات النقل البحري من خسائر فادحة جراء توقف القطع البحرية في الموانئ وعجزها عن نقل البضائع وتحصيل الإيرادات بينما تستمر في تحمل تكاليف تشغيلية يومية باهظة، كما يوضح صفا، مشدداً على أن ملاك السفن يفضلون عملياً أي اتفاق يتضمن دفع رسوم عبور معينة على الاستمرار في تحمل كلفة انعدام الأمان والتخبط الناجم عن عدم القدرة على برمجة الرحلات بدقة في ظل الضبابية الأمنية السائدة. شروط الضمانات
ويبقى السؤال الجوهري في هذا المسار متعلقاً بمدى التزام الطرفين المتنازعين، الولايات المتحدة وإيران، بضمان سلامة هذه الممرات وعدم استهدافها، وفق ما يوضحه الطوقي، مبيناً أن فتح المسارات الجديدة عبر المياه العمانية يحتاج إلى بيئة خالية من التهديدات العسكرية، إذ إن أي ترتيبات فنية لتحديد ممرات آمنة تفقد قيمتها الميدانية إذا لم تقترن بإرادة سياسية صارمة من الجانبين بعدم اعتراض الناقلات التجارية أو تعريض طواقمها للخطر.
فإذا تحققت هذه الضمانات الأمنية المتبادلة، فإن فتح مسارات ملاحية آمنة عبر المياه الإقليمية العمانية سيكون في مصلحة جميع الدول الخليجية المعتمدة على المضيق لتصدير نفطها وغازها، وكذلك الدول المستوردة والمصدرة عالمياً، كما يشير الطوقي، مؤكداً أن الاستقرار البحري سيعيد التوازن إلى أسواق الطاقة، ويحد من الأعباء المالية التي أثقلت كاهل المنتجين والمستهلكين على السواء نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية المتكررة.
ويتعزز نجاح هذا الدور العماني بالنظر إلى موقع السلطنة الاستراتيجي وعلاقاتها المتوازنة مع كافة القوى الإقليمية والدولية بما في ذلك دول الخليج وإيران واليمن والولايات المتحدة الأميركية، ما يرسخ مكانتها وسيطاً حيوياً ومقبولاً، بحسب تحليل صفا، منبهاً في الوقت ذاته إلى التهديدات السياسية والضغوط الدولية الحادة التي قد تتعرض لها مسقط إذا انحرفت عن المسارات المقبولة دولياً أو بدت كأنها تضفي شرعية على إجراءات أحادية.
وتعكس التحركات الدبلوماسية النشطة في مسقط رغبة إقليمية ودولية في منع التصعيد البحري الشامل، حيث كشفت وكالة الأناضول في تقرير نشرته في 11 سبتمبر الحالي، عن مباحثات مكثفة ترعاها السلطنة لجمع الأطراف المعنية ومناقشة الترتيبات الفنية للممرات البحرية المقترحة، في مسعى لتأسيس أرضية تفاوضية واقعية تضمن تدفق الإمدادات النفطية وتمنع خروج النزاعات الإقليمية عن نطاق السيطرة الدبلوماسية.
العربي الجديد
|