سيرياستيببس
لم تعد المقاطع القصيرة مجرد وسيلة سريعة للترفيه أو تمضية الوقت، بعدما تحولت آثارها في التركيز والانتباه ونظام المكافأة داخل الدماغ إلى موضوع متزايد الحضور في الأبحاث العلمية. ومع الاعتياد على الانتقال خلال ثوان من مقطع إلى آخر، يطرح باحثون تساؤلات حول الكلفة الذهنية لهذا النمط من الاستهلاك، وما إذا كانت المتعة الفورية والمتكررة تجعل الأنشطة الأبطأ، مثل القراءة والدراسة وحل المشكلات، أقل جاذبية بمرور الوقت. وفي قلب هذا النقاش يبرز "الدوبامين"، وهو ناقل عصبي يعمل كرسول كيماوي بين الخلايا العصبية ويرتبط بعمليات عدة، من بينها التحفيز والمكافأة والانتباه والتعلم، وفقاً لـ"كليفلاند كلينك". ولا تقتصر وظيفته، كما يشيع تبسيطاً، على الشعور بالمتعة فقط، بل يسهم أيضاً في دفع الإنسان إلى تكرار السلوك الذي يتوقع منه الحصول على مكافأة. مكافأة داخل الدماغ
تشير أبحاث حديثة إلى أن طبيعة المقاطع القصيرة، القائمة على محتوى سريع ومتغير ومتلاحق، قد تدفع المستخدم إلى مواصلة التصفح بحثاً عن المقطع التالي وما يحمله من مفاجأة أو متعة أو فضول. ومع تكرار هذا النمط، قد يعتاد الدماغ الحصول على التحفيز بصورة سريعة، مما يجعل الأنشطة التي تحتاج إلى وقت أطول وتركيز مستمر تبدو أكثر بطئاً وأقل إثارة.
وتذهب دراسات منشورة في مجال الإدمانات السلوكية إلى أن الإفراط في استهلاك المحتوى القصير يرتبط بصعوبات في الحفاظ على الانتباه والانخراط في مهمات طويلة، وهي آثار تظهر بصورة لافتة لدى الطلاب عند المذاكرة أو متابعة المحاضرات أو القراءة لفترات ممتدة من دون العودة إلى الهاتف. هل يمكن استعادة الصبر؟
لا تبدو آثار المقاطع القصيرة محصورة في لحظة المشاهدة وحدها، إذ تتزايد الدراسات التي تبحث في علاقتها بالقدرة على الحفاظ على الانتباه وضبط النفس، ولا سيما لدى الشباب والطلاب.
وفي دراسة نشرت عام 2024 في مجلة " Frontiers in Human Neuroscience" استخدم فيها الباحثون تخطيط كهربية الدماغ ، ظهرت علاقة بين ارتفاع الميل إلى إدمان مقاطع الفيديو القصيرة وتراجع مؤشرات التحكم التنفيذي في الانتباه، إضافة إلى انخفاض مستويات ضبط النفس لدى المشاركين.
ومع ذلك، يشدد هذا النوع من الدراسات على وجود ارتباط، وليس دليلاً قاطعاً على أن مشاهدة المقاطع وحدها تسبب تغيرات دائمة في الدماغ.
وتدعم دراسات أخرى المخاوف المتعلقة بالتركيز في البيئة الدراسية، ففي بحث نشرته جامعة سان دييغو الحكومية عام 2025، أظهر اختبار باستخدام تقنية تتبع حركة العين أن خمس دقائق فقط من تصفح "تيك توك" قبل قراءة محتوى طويل ارتبطت بانخفاض قدرة طلاب جامعيين على التركيز أثناء القراءة، وهي نتيجة تعزز فكرة أن الانتقال مباشرة من محتوى سريع ومتلاحق إلى مهمة تتطلب انتباهاً مستمراً قد يجعل الدخول في حالة التركيز أكثر صعوبة.
ولا يعني ذلك أن كل مستخدم للمقاطع القصيرة سيعاني بالضرورة ضعفاً في الانتباه، فالأبحاث لا تزال تفرق بين الاستخدام العادي وبين الاستخدام المكثف أو القهري. وأظهرت دراسة أجريت على طلاب جامعيين في السعودية وجود ارتباط بين إدمان وسائل التواصل الاجتماعي وانخفاض مستويات الانتباه الواعي، فيما ربطت دراسة أخرى أجريت على شباب في ماليزيا الاستخدام الاعتيادي والاندفاعي لـ"تيك توك" بتراجع الانتباه والأداء الأكاديمي وجودة النوم.
كيفية التغيير
لكن الصورة ليست أحادية الجانب، فالمحتوى القصير يمكن أن يؤدي وظيفة تعليمية أو معرفية، ولا توجد أدلة كافية تبرر وصف "تيك توك" أو المقاطع القصيرة بأنها تدمر الدماغ أو تقلص مدة الانتباه بصورة حتمية. وحتى الدراسات التي رصدت آثاراً سلبية تشير إلى أهمية عوامل أخرى، منها مدة الاستخدام وطبيعته والنوم والعادات الرقمية المصاحبة له.
أما استعادة القدرة على التركيز، فلا تتطلب بالضرورة الابتعاد الكامل من المنصات بحسب الدراسات. ويقترح الباحثون تقليل التصفح الاندفاعي، والفصل بين مشاهدة المقاطع والمهمات التي تحتاج إلى تركيز، والحد من التنبيهات والمقاطعات الرقمية، إلى جانب تخصيص فترات منتظمة لأنشطة أبطأ، مثل القراءة والمشي والعمل المتواصل من دون هاتف. الحكومات تدخل على الخط
لم تعد المخاوف من المقاطع القصيرة شأناً يخص الباحثين والأهالي وحدهم، إذ بدأت حكومات عدة التعامل مع تصميم منصات التواصل نفسه باعتباره جزءاً من المشكلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين. ولا يتركز النقاش على "تيك توك" وحده، بل يشمل أيضاً منصات "ميتا"، "انستغرام" و"فيسبوك ريلز" و"يوتيوب شورت" وأخيراً "سناب تشات سبوت لايت"، وغيرها من الخدمات التي تعتمد على التمرير المتواصل ومقاطع قصيرة تقترحها الخوارزميات تباعاً.
وتعد أستراليا من أكثر الدول تشدداً في هذا الاتجاه، إذ دخل منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025 حد أدنى إلزامي يبلغ 16 سنة لاستخدام عدد من منصات التواصل، وتقول هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية إن أحد دوافع القرار هو الحد من تعرض القاصرين لميزات تصميم تشجعهم على قضاء وقت أطول أمام الشاشة.
وفي الدول الأوروبية، تتسع القيود على استخدام الأطفال والمراهقين منصات التواصل الاجتماعي. ففي فرنسا تتجه السلطات إلى تشديد الضوابط على القاصرين، بينما أعلنت بريطانيا منع من هم دون 16 سنة من استخدام منصات التواصل، مع قيود إضافية على الميزات التي تشجع الاستخدام المطول. وفي الولايات المتحدة، تحركت عشرات الولايات قانونياً وتنظيمياً لفرض حماية أكبر على حسابات المراهقين، شملت تحديد وقت الاستخدام وتعزيز التحقق من العمر والرقابة الأبوية، في مؤشر إلى تحول القضية من نقاش حول مسؤولية الأسرة إلى تدخل حكومي أوسع في طريقة تصميم المنصات وتشغيلها.
ولا تقف المسألة عند الغرب، ففي الصين تعمل النسخة المحلية من "تيك توك"، بنظام خاص بالقاصرين، وتفرض على المستخدمين المسجلين دون 14 سنة وضعاً مخصصاً لا يمكنهم تعطيله بأنفسهم، مع حد افتراضي للاستخدام اليومي يبلغ 40 دقيقة، وإغلاق الخدمة لهم بين العاشرة ليلاً والسادسة صباحاً. المنصات تحاول الضبط
وفي المقابل، بدأت المنصات نفسها إدخال أدوات تحد من الاستخدام المفرط، في مؤشر إلى أن القضية لم تعد خارج حساباتها. فقد أتاح YouTube تحديد مدة يومية لتصفح "Shorts"، ويمكن للوالدين في الحسابات الخاضعة للإشراف ضبط الحد حتى صفر دقيقة، بما يمنع المراهق من تصفح موجز المقاطع القصيرة لذلك اليوم.
أما "ميتا"، فوسعت خلال 2026 نظام حسابات المراهقين في "إنستغرام" و"فيسبوك"، مع قيود تلقائية على المحتوى وتنبيهات بعد ساعة من الاستخدام اليومي، إضافة إلى وضع ليلي. وتختبر الشركة أيضاً تقليل تكرار بعض أنواع المحتوى أمام المراهقين في "ريلز" و"إكسبلور" وواجهة الأخبار، حتى لا تستمر الخوارزمية في تقديم النوع نفسه بصورة متلاحقة.
لكن هذه الإجراءات تترك سؤالاً مفتوحاً: ماذا عن البالغين؟ فالمخاوف المرتبطة بالمقاطع القصيرة، من التشتت وصعوبة الحفاظ على الانتباه إلى الاستخدام القهري واضطراب النوم، لا تتوقف عند سن الـ18. ومع ذلك، تتركز معظم القيود الحكومية وأدوات المنصات حالياً على حسابات الأطفال والمراهقين، بينما لا يواجه المستخدم البالغ عادة سوى أدوات اختيارية مثل تحديد وقت الاستخدام أو إيقاف التنبيهات. وهكذا، يبقى جانب كبير من المسؤولية لدى البالغ نفسه، حتى لو كانت آليات التمرير المتواصل والمكافآت المتغيرة مصممة بالطريقة ذاتها لجميع الأعمار.
اندبندنت عربية
|