سيرياستيبس
قد
تبدو هذه الأشياء للوهلة الأولى عديمة القيمة المادية، بل تُصنَّف، وفق
معايير الجدوى المعاصرة، ضمن «الكراكيب» التي تشغل المساحات. لكنها تحتفظ
في البيوت السورية بمكانة خاصة.
في زاوية منسية من صالون دمشقي، أو فوق
خزانة خشبية في ريف حلب، تستقر أشياء تنتمي إلى زمن آخر. ماكينة خياطة
«سنجر» سوداء بثقلها الحديدي، وراديو خشبي ضخم لا يصدر منه سوى الأزيز،
وقطعة قماش مطرزة تآكلت أطرافها، أو حتى علبة حديدية صغيرة كانت تحتوي
يوماً على حلويات «غراوي»، ثم أصبحت تُستخدم لحفظ الأزرار والخيوط
والمفاتيح الخاصة ببيوت لم يعد أصحابها يملكون أبوابها.
لماذا يحتفظ السوريون بأشياء انتهت وظيفتها العملية؟ تكمن الإجابة في
التحول الذي يطرأ على العلاقة بين الإنسان والشيء. ... في البداية، يُشترى
الغرض لأداء وظيفة محددة؛ فآلة الخياطة كانت وسيلة للعمل وتوفير النفقات،
والراديو صلة وصل بالعالم، والفانوس أداة للإنارة، والخزانة مكاناً لحفظ
الأواني. لكن مع مرور العقود، وارتباط هذه الأدوات بتفاصيل الحياة اليومية،
تنفصل الأشياء تدريجياً عن وظيفتها المادية.
يتحول الشيء هنا من "أداة" إلى مستودع عاطفي. ينظر الإنسان إلى الراديو
القديم فلا يرى جهازاً معطلاً فحسب، بل يتذكر يد والده وهي تضبط الموجة، أو
صباحات كانت العائلة تجتمع فيها حوله. وتصبح ماكينة الخياطة أكثر من قطعة
حديد حين ترتبط بامرأة كانت تجلس أمامها، أو بسنوات كانت فيها جزءاً من
اقتصاد البيت وتفاصيله.
لا يكون الاحتفاظ بالشيء دائماً قراراً واعياً لمقاومة النسيان؛ فأحياناً
يحدث ببساطة لأن صاحبه لا يجد سبباً كافياً للتخلص منه. ثم تمر السنوات،
ويتحول بقاء الغرض نفسه إلى جزء من الحكاية.
وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في بيوت القامشلي، حيث لا تزال أشياء كثيرة تحتفظ بمكانها، حتى بعدما فقدت وظيفتها الأولى.
في أحد بيوت المدينة، لا تحتاج امرأة إلى النظر طويلاً في أغراضها القديمة
كي تتذكر متى دخلت كل قطعة إلى حياتها. فالأشياء التي تراكمت حولها خلال
العقود تحولت، مع الوقت، إلى علامات زمنية تختصر مراحل من عمرها.
ذاكرة لبيوت وأشخاص وحيوات تغيرت غابت خلف ستائر الفقد والنزوح.
تتذكّر المرأة تاريخ دخول كل واحدة منها إلى
منزلها، فتقول: الخزانة والفانوس والزمبيل من سنة 1977، والكرسي من 1979.
ماكينة الخياطة جبتها سنة 1992، والتلفزيون سنة 1994.
لم تكن هذه الأشياء، حين اشترتها، مقتنيات للذكرى. كانت حاجات منزلية عادية
تؤدي وظائف واضحة في حياة يومية لم يكن أحد يعرف كيف ستتغير لاحقاً.
لكن بعضها استمر في البيت حتى بعد دخول بدائل أحدث. ومع مرور الوقت، لم تعد
قيمتها مرتبطة بما تستطيع فعله، بل بما تذكّر به. وهكذا، لم تعد المرأة
تحتفظ بما لديها لأنها تحتاج إليه بالضرورة، بل لأن التخلص منه يعني التخلي
عن جزء من تاريخ البيت.
في القامشلي، تحولت الأشياء القديمة إلى علامات على مراحل من حياة صاحبتها.
لكن بعض الأشياء لا تحفظ حياة أصحابها فقط، بل تحتفظ أيضاً بأثر أشخاص
غابوا عنها.
هذا ما يظهر في قصة امرأة من قرية معشوق بريف تربسبيه، شمال شرقي سورية،
تحتفظ بملابس كانت لوالدتها وشقيقاتها، إلى جانب ملابسها القديمة التي لا
تزال ترتدي بعضها.
كذلك أبقت على حصيرة يدوية، ومكانس من القش، وقدور وأدوات منزلية قديمة.
وتصف هذه المقتنيات بأنها من أغلى ما تملك، لأنها، كلما نظرت إليها، رأت
أهلها فيها واستعادت حضورهم في بيتها. لذلك، لا تجد سبباً للتخلص منها، بل
ترى أن بقاءها إلى جانبها هو ما يمنحها قيمتها الحقيقية.
أشياء ترافق أصحابها في الرحيل
خلال نحو 15 عاماً من الحرب والفقر والحرمان، تغيرت علاقة كثير من السوريين
بأشيائهم. فبالنسبة إلى بعض العائلات، لم يكن الاحتفاظ بالأثاث والأدوات
القديمة خياراً عاطفياً دائماً، بل نتيجة مباشرة لعدم القدرة على شراء
البدائل أو تجديد ما تآكل مع السنوات.
في بيوت كثيرة، بقيت ماكينة الخياطة والخزانة والكرسي وأدوات المطبخ قيد
الاستخدام، لا للذكرى وحدها، بل لأن استبدالها يحتاج إلى مال لا تملكه
الأسرة. وهكذا تداخلت الحاجة مع الذاكرة، واستمر الشيء القديم في أداء
وظيفته ما أمكن.
في العقود الأخيرة، اكتسبت هذه الأشياء بعداً أعمق في الوجدان السوري. ومع
موجات النزوح واللجوء والهجرة، تحولت بعض المقتنيات إلى ممتلكات حرص
أصحابها على حملها، حتى عندما اضطروا إلى ترك أشياء أكثر قيمة من الناحية
المادية.
قد تنتهي الوظيفة التقنية للراديو أو ماكينة الخياطة، لكن علاقة الإنسان بهما لا تنتهي بالضرورة
وقد يحدث العكس أيضاً: يحمل شخص معه غرضاً صغيراً في أثناء الرحيل، لا لقيمته المادية، بل لأنه يحمل شيئاً من المكان الذي تركه.
أحد المهجّرين من عفرين حمل معه غرسة زيتون من أرضه إلى القامشلي، لأنه لم
يستطع أن يتخيّل حياته بعيداً عن أشجارها. يقول: «لم أستطع أن أعيش بعيداً
عن أشجارنا، فحملت معي غرسة زيتون من عفرين وزرعتها حيث أقمت. كنت بحاجة
إلى أن يبقى معي شيء من أرضنا».
في لحظة الرحيل، لا يستطيع الإنسان أن يأخذ بيته معه، ولا أن يحمل كل ما
تركه وراءه. لكنه قد يختار شيئاً صغيراً يكفي لأن يبقي المكان حاضراً في
حياته، حتى بعد أن تتغير المدن وتتفرق الطرق.
وهكذا أصبحت بعض الأشياء مرساة للذاكرة؛ دليلاً على أن الحياة السابقة كانت
موجودة فعلاً، وأن البيت لم يكن مجرد مكان تركه الإنسان خلفه، بل مساحة
امتلأت يوماً بأشخاص وأصوات وروائح وتفاصيل.
أحياناً لا يحمل الإنسان شيئاً، وتبقى الأشياء في مكانها. عندها تتحول قطعة
الأثاث أو الأداة إلى أثر على بيت كان هنا، وعلى أشخاص عاشوا فيه، وعلى
حياة انقطعت أو انتقلت إلى مكان آخر.
بهذا المعنى، لا تحفظ الأشياء ذاكرة الأشخاص فقط؛ إنها تحفظ أيضاً أثر
الأمكنة التي تغيرت، والبيوت التي أُغلقت أبوابها، والسنوات التي تركت
الحرب والفقر أثرهما حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
الأشياء التي لا يستطيع السوريون رميها ليست مجرد بقايا من زمن قديم.
في بيت القامشلي، تختصر تواريخ الأشياء عقوداً من حياة امرأة. وفي معشوق،
تحفظ الملابس والأدوات حضور أم وشقيقات غبن، لكنهن تركن شيئاً منهن في
البيت. وعند من حملوا أغراضاً رمزية معهم في طريق الهجرة، بقيت الأشياء
شاهدة على بيوت لم تعد لهم، أو على أمكنة أصبحت بعيدة.
قد تنتهي الوظيفة التقنية للراديو أو ماكينة الخياطة، لكن علاقة الإنسان بهما لا تنتهي بالضرورة.
فبعض الأشياء لا تبقى لأنها لا تزال صالحة للاستعمال، بل لأن أحداً ما لا
يزال يرى فيها سبباً كافياً للبقاء. فما يبدو من الخارج غرضاً قديماً، قد
يكون في الداخل سنة، ووجهاً، وبيتاً، ومرحلة من العمر. وقد يكفي أن تلمس
يدٌ غرضاً قديماً، وتقول: هذا كان لنا.
ملحق سوريا الجديدة - العربي الجديد